بقلم الشاعر فؤاد نعمان الخوري

هل المرايا انعكاسٌ بريءٌ للوجوه والأفكار والمشاعر، أم هي تتدخّل في السرّ لتُعيد تركيب المعكوس وتُضيف اليه؟
يلحّ عليك هذا السؤال وأنت تتصفّح كتاب الأ ب يوسف جزراوي، وعنوانه: “أحاديث قلم/ في مرايا الذات والمجتمع (2014)”. في مستهلّ كتابه يُعلن المؤلِّف: “…هذه مقالاتٌ سكبتُ فيها من ذاتي والواقع المُعاش”؛
هي اذن تجلّياتٌ لتساؤلات الذات واشكاليات المجتمع التي خبرها الأب جزراوي في ترحاله السندبادي من العراق الى أوروبا، وأخيراً الى استراليا.
يبدو لي أن الكاتب يسير فوق حَبلٍ مشدود، ويحاول الحفاظ على توازن دقيق بين الوطن والغربة، وبين الذات والمجتمع، وبين الماضي والحاضر، والأهمّ بين رسالته الكهنوتيّة ورسالته الأدبيّة. كأنّ الكاتب الشاب ما زال يتلمّس فرادته، وسط المتناقضات المتعددة، فجاء كتابه الجديد شاهداً على بحثه الدؤوب عن التوازن الصعب…هو يقارن بين موروثات وتقاليد حجريّة من جهة، وسلوكيّات دخيلة من جهة ثانية، مما يجعل الانسان المعاصر واقفاً باستمرار على خطّ الزلازل.
ولا يخفي الأب جزراوي حسرته وغضبه على ما آلت اليه أحوال مسقط رأسه العراق، وحنينه الى ايام بغداد الهانئة.
ومن غضب إرميا المقدّس، الى ثورة يسوع على تجّار الهيكل، يشير الكاتب بأصابع الاتهام  الى ما أسماها “مهزلة الربيع العربي” التي تحولت الى “ربيع” دموي قسّم البلاد وهجّر العباد وأطاح بالمبادئ والعقائد والقيَم.
ويعلن الكاتب/الكاهن الأشوري بصوتٍ عالٍ: “آن الأوان لنعتنق ديانة الحُب”، فهل من سميعٍ أو مُجيب؟ باختصار، تلك الأحاديث هي مرايا، والمرايا هدايا من الروح القدس الذي يشفِّف روح الكاتب لتستطيع التقاط إشارات الأرض وعلامات السماء…هي مرايا تكشف لك بصدقٍ مكنونات ذاتك الفردية وذاتك الاجتماعية، ولا يقلّل من أهميتها اسلوب وعظي هو بالنهاية رسالة الكاهن المبشِّر…الأب جزراوي يمتشق القلم بيدٍ، وبأُخرى يحمل الصليب، في توازن انساني رائع ومثمر، فتأتي النتيجة إعلاناً للبشارة على مذبح الرب، وبين دفّتي الكتاب…والله في الحالتَين يتمجَّد!