المتروبوليت بولس صليبا

عندما يستمع واحدنا لأحداث أسبوع الآلآم حتى الصلب والدفن والقيامة يجذب انتباهه حدث أكثر من أي حدث آخر: التزام بعض تباعه وأكثرهم من النسوة بمعلمهم حتى آخر دقيقة. لم يذكر الإنجيل عنهم شيئا. إن ما نعرفه هوأن تلاميذه،  كلهم من الرجال، هربوا وتركوه وحيداً. نَكَرَهُ بطرس ثلاث مرات، خانه يهوذا وأسلمه؛ الجماهير التي كانت تتبعه سابقاً وكانت تنتظر شيئا منه، ثاروا عليه وطلبوا صلبه. انتظروا مساعدة. عجائب، شفاء، انتظروا تحريراً من النير الروماني، انتظروا منه أن يضع حياتهم اليومية في مكانها. هؤلاء الفقراء لم يفهموا جوهر تعليمه، الذي هوإنكار الذات والمحبة، والعطاء بدون مقابل. كان المسيح، بالنسبة لهم بقرةً حلوباً، لذلك تبعوه. ولكن عندما ابتدأ يتكلم عن آلآمه وصلبه وموته أخذت الجماهير تتركه وأخذت العداوة نحو شخصه تتعمق، خاصة من قبل القيادات الدينية والزمنية. ابتدأوا يسمعونه يعلم بأنه بمحبة سيقدّم ذاته ذبيحة. أخذ مجده الارضي يضعف، لكنه انفجر، ولو لوقت قصير، نهار أحدالشعانين ولآخر مرة، حيث يقول الانجيلي في ( متى 21: 10 ) المدينة كلها ضجّت . حدث ذلك لأن الجماهير كانت تنتظر منه حتى ذاك اليوم أن يحررها ويعطيها مملكة ارضية وسلطة ومجد، كانوا على استعداد لعمل كل وأي شيء لتحقيق ذلك.
كل ذلك انتهى فجاة، اختفى النور. وبعد أحد الشعانين دخل أسبوع الآلآم، مع الظلمة والوحدة والعذابات. إن ما يؤلم أكثر من أي شيء آخر هوخيانة المقربين منه، الذين أعطاهم ذاته لأكثر من ثلاث سنوات. وفي بستان الجثمانية لم يستطع الثلاثة تلاميذ أن يسهروا معه وهوالذاهب إلى آلآمه، فناموا. وبطرس، الذي تباهى بأنه سيترك كل شيء ويتبعه، وأن يموت من أجله، أنكره ورفضه. ثم يضيف الانجيلي :” وإنما حدث ذلك كله لتتم كتب الانبياء ( متى 26: 56 ). لكن ليس الكل. هناك بعضاً بقي بجانبه، يحمل الصليب دائما محبةً وايماناً بشريا. اولئك الذين لم نعرف عنهم شيئا خلال أيام المجد، الذين لم نسمع عنهم شيئا في صفحات الإنجيل، الذين لم يعطهم المسيح أي معلومات عن ماذا سيحدث له، اولئك الذين اعتبروا أن كل شيء قد انتهى ليلة الصلب، قد برهنوا عن إيمانهم ببقائهم بجانبه ومحبتهم له. كتب الانجيلي يوحنا عنهم في 19: 25 ما يلي: “ولما سمعوا التلاميذ هذا الكلام دهشوا دهشاً شديداً وقالوا: من ترى يقدر أن يخلص؟” في إنجيل متى إصحاح 27: 57- 60 نقرأ:”وجاء في المساء رجل غني من الرامة، يوسف، وكان هوأيضاً قد تتلمذ ليسوع. فذهب إلى بيلاطس وطلب جثمان يسوع… فأخذ يوسف الجثمان ولفّه في كتّان خاص ووضعه في قبر جديد… وكانت هناك مريم المجدلية ومريم الأخرى جالستين تجاه القبر”. في اليوم التالي، بعد مرور السبت، باكراَ جدّاً، نفس النسوة أتين الى القبر ليدهنّ جسد يسوع بالطيب حسب التقليد. لهؤلاء ظهر يسوع للمرة الأولى بعد قيامته. كنّ أول من سمع من فمه العزيز” افرحن” التي اصبحت منذ الوقت وإلى الأبد جوهر القوة المسيحية. لم يُعلِن السيد سرّ المستقبل للنسوة قبل آلآمه كما أظهره لتلاميذه الإثني عشر المختارين. لم يكنّ يعرفن معنى سرّ موته ولا سرّ نصره على الموت بالقيامة. فكان لهن موت صديقهم ومعلمهم مجرد موت، نهاية. لا بل كان موت عيب، موت مفاجىء وسريع. وقفن عند الصليب لأنهن أحببنه، وتألمن معه. لم يتركن ذاك الجسد الفقير، لكنهن فعلن كل ما اعتادت المحبة أن تفعله في ساعة الإنفصال على مرّ العصور. الذين طلب منهم المسيح أن يقفوا بجانبه في وقت آلآمه وعذاباته، عندما أخذ يشعر” بالرهبة والكآبة ” ( مرقس 14 : 33 ) تركوه وهربوا وأنكروه. أما اللواتي لم يطلب منهن شيئا فقد بقوا بجانبه مؤمنين ومعبرين عن محبتهن له.  ” أما مريم ، فكانت واقفة عند مدخل القبر تبكي ” ( يوحنا 20:11) خلال التاريخ بكت المحبة  دائما بنفس الطريقة، كما بكى يسوع عند قبر صديقه العازار. هذه المحبة هي التي أُعلن النصر لها، هذه المحبة، هذا الإيمان هومن عرف أولا بأنه سوف لن يكون هناك بعد ذلك من حاجة للبكاء “. قد ابتلع النصر الموت ” 1كور : 15: 54 ). هذا ما يعني لنا أحد حاملات الطيب. يذكرنا بأن محبة وإيمان بعض الأشخاص سيشعان دائما بقوة في وسط الظلمة واللاأمل ؛ يدعوانا لتعميق الإيمان بأنهما سوف لن يموتا أبداً. يكلمانا على عدم شجاعتنا، على خوفنا، على إيجادنا الحجج بدون انقطاع. يحتل يوسف ونيقوديموس والنسوة جزأً صغيراً من الإنجيل. لكن في عملهم سيتعلق قَدر كل منا. اليوم أكثر من أي وقت آخر علينا أن نسترد تلك المحبة البسيطة وذاك الالتزام. لقد دخلنا في عصر له مفهومه الجديد ومبادئه وأخلاقياته التي في كثير من الحالات يعاكسن تعليم السيّد وكنيسته.  لقد حافظ العالم منذ ذاك الوقت على لمعان وقوة الحدث الذي بزغ من ذاك الايمان والمحبة وتألم السيّد الذي تركه الجيمع وهربوا… واليوم علينا أن نتمسك بقوة بكل ما يتعلق بتلك المحبة البسيطة والمشعة والارضية والبشرية. المحبة لا تسأل عن نظريات وايديولوجيات، لكنها تتكلم للقلب والعقل. لقد سقطت امبراطوريات، نهضت أخرى، حروب شنّت، حضارات عاشت ثم ماتت، لكن ما بقي غير متغيّر على الارض هوصورة تلك النسوة المشعة. صورة من يهتم ويعطي ذاته ، يحب، ويرأف. فبدون هذا الحضور، بدون هذا النور، سيصبح عالمنا، بالرغم من كل النجاحات، عالم رُعب . يمكننا القول بأن بشرية البشرية كلها بقيت وحافظت عليها ” نسوة ” ليس بالكلام والأفكار؛ ولكن بسكوتهن واهتمامهن وبمحبتهن… وبالرغم من كل الشرّ في عالمنا، وبالرغم من كل ما يسود علاقات البشر من حسد وحب ذات ومصالح و… فإن المحبة والالتزام والتضحية  سيبقون في ومن ايمان الإمرأة. ” ليس عندهم خمر” ( يوحنا 2: 3 ) ولكن ما دامت المرأة حاضرة كونها الأم والزوجة والعروس، سيكون هناك خمراً كافياً، محبة كافية ونوراً كافياً لكل فرد.
آمين