فؤاد دعبول

رغب الرئيس نبيه بري، العائد من اجازة عيد الفطر السعيد بالخارج، في الخروج الى منصة قصر عين التينة مقره السياسي، عندما لا يكون في ساحة النجمة، للوقوف على ما آلت اليه الاوضاع، فلاحظ ان حليمة عادت الى عادتها القديمة، اي ان كل فريق يتربص بالاخر، ويدعو الى مواقف معاكسة لما تعارفوا عليه ب التسويات، ولجأوا بعده الى التحديات.
ويقول الذين يترددون على عين التينة ان الرئيس بري، وهو الضامن الاخير ل وحدة البرلمان بات يخاف على هذه الوحدة، من امعان الافرقاء في الاغراق في الصراعات، وهو الذي امضى وقته طوال شهر رمضان المبارك، في دعوة رموز في تيار المستقبل، الى افطارات اسبوعية محدودة، او مقتصرة على رموز لا على وجوه، لبلورة تفاهم سياسي بين ٨ و١٤ آذار، يُفضي الى انتخابات توافقية على اختيار رئيس جمهورية، بعد انقضاء عام وبضعة اشهر، على الفراغ الرئاسي.
والرئيس بري يهمه بادىء ذي بدء، الا ينقطع الحوار، ويحل مكانه تراشق يبدد التقارب بعد ابتعاد. لكنه، وجد نفسه قلقا من دعوة رئيس كتلة تيار المستقبل فؤاد السنيورة، من تعقيبه على عبارة وردت في خطاب للامين العام ل حزب الله السيد حسن نصرالله، يقول فيه انه استعمل التيار الوطني الحر لضرب الاستقرار في لبنان، ذلك ان الامين العام للحزب، دعا تيار المستقبل الى النزول من برجه العاجي ومحاورة تيار العماد ميشال عون.
وهذا الكلام ورد، في اوج الصراع السياسي في البلاد، خلال نشوب المعارك الساخنة حول قضايا الفساد الذي يضم معظم المرافق العامة والخاصة ويدفع بالبلاد الى الوقوع في دهاليز الاوساخ التي عمت البلاد، وجعلت لبنان يغرق في جحيم الفساد والاهمال، وفي ازمة مطامر، خصوصا بعد نزول الناس الى الشوارع، واقفال الطرقات، خوفا من نقل النفايات من بيروت الى الشمال او الى الجنوب او الصعود ربما الى الجبال.
لا احد يعرف كيف ستنتهي هذه الازمة الخانقة، ولا كيف تكمن معالجتها، خصوصا وان الحكومة التي اجتمعت يوم الخميس، كانت مهددة بين السقوط والبقاء على شفير الانهيار.
البلاد غرقت في ازمتين، لا في ازمة واحدة، الاولى سياسية تتعلق بآلية عمل الحكومة والثانية ترتبط باكوام النفايات، وهي في العالم تعالج بتحويلها الى مرافق صناعية لانتاج الكهرباء، اما في لبنان، فان الكهرباء غائبة معظم الاوقات والناس تلجأ الى المولدات المزروعة في الاحياء والشوارع لتأمين التيار الكهربائي باسعار مكلفة وباهظة.
والعنوان الاساسي يتمحور حول انقاذ الوطن من الانهيار، لا انقاذه المفاجىء من السقوط في مكب نفايات اصبح يجول على البلاد، ولا يجد مخرجا ليخلصه منه. ويقول الرئيس سلام، وهو رابط الجأش، وهادىء، ان الانقاذ لم يعد شعارا يطرح عند الملمات، بل حاجة الى ضمور الازمات او ظهور الانجازات، وبلوغ مراحل الفكر الاصلاحي على انقاض النزاعات الاصولية، والافكار التكفيرية في البلاد، ذلك، ان جمهورية الطائف باتت بحاجة الى اعمدة اصلاحية، لتردع الجميع عن تجاوز الاتفاق الذي اصبح ضرورة سياسية لا حاجة لوأد الفتنة.
ويقول الرئيس السابق لمجلس النواب السيد حسين الحسيني، ان الدستور اللبناني هو النص الذي يكفل حصانة تُعَمم على اللبنانيين، الحماية من اي مغالاة، او تطرّف، او انحراف عن حقائق تضمن شرعية الوجود السياسي، في معظم الحقبات.
ويرى الرئيس الحسيني كما يَنقل عنه زوّاره، ان الدستور واضح ولا لِبْس فيه. اي ان الآلية الواجب اتّباعها في الحكومة، لاتخاذ القرارات اوكل الدستور الى مجلس الوزراء، صلاحيات رئىس الجمهورية، وفي حال غيابه، يجب ان تتخذ القرارات وفقاً لما هو منصوص في الدستور نفسه، ذلك ان المادة ٥٥ هي التي تحدّد طريقة اتخاذ القرارات توافقاً في الحكومة، واذا ما تعذّر ذلك فتتخذ بالتصويت الذي يكون عادة في القضايا العامة بالنصف زائد واحداً.
اما القضايا المبهمة الاربع عشرة المذكورة في المادة ٦٥، فهي في حاجة الى موافقة ثلثي اعضاء الحكومة. وفي الحالتين يكون النصاب الثلثين، هذا في حال التقيّد بالدستور.
الا ان الرئىس الحسيني يقول ذلك، ويستدرك بان معظم السياسيين يتكلمون خارج الاصول الدستورية، وقد اطاحوا جميعاً بالدستور وبالاصول، ويرد بان معالجة هذه القضايا هي خارج الاصول الدستورية جملة وتفصيلاً، وذلك منذ بدء الحكومة اعمالها الى اليوم.
ثمة سؤال لا بد منه: لماذا في رأي الرئىس الحسيني، ان هذه الحكومة هي حكومة تصريف اعمال، في ظل مجلس نواب غير شرعي.
والجواب في رأيه ان الاستقالة او عدمها، لا تعفي الوزراء من مسؤولياتهم، لان الاستقالة لا تُقبَل الا بعد تأليف حكومة جديدة، ذلك انه عندما يستقيل رئىس الحكومة، يصرّف الاعمال، الى حين تشكيل اخرى جديدة، علما ان مرسوم تشكيلها، يبدأ بعبارة تقبل استقالة الحكومة ثم تعين حكومة جديدة، وبالتالي تصبح الاستقالة لزوم ما يلزم، اما الاعتكاف في رأي الحسيني كما يُنقل عنه، فلا يعفي من المسؤولية لانه حصل ضرر ما من جراء الاعتكاف، سواء كان الاعتكاف من رئيس الحكومة او من احد الوزراء، ويعني ذلك ان اي وزير يعتكف يكون بذلك قد اخلّ بواجباته، طالما لم يحل مكانه آخر.
يطول الجدل والحوار، لكن الرئىس السابق لمجلس النواب، يعود الى الدستور ليقول ان المدخل للخروج من المأزق المصيري والذي يهدد الكيان هو تطبيق المادة ٧٤ من الدستور الذي تقول باجراء انتخابات نيابية شرعية اولا، ثم انتخاب رئيس للجمهورية في شكل شرعي وليس صوريا.
وهذا ما يبدد بعض مفاهيم رموز ١٤ آذار، ومفادها ان صلاحيات رئىس الجمهورية تنتقل الى رئىس مجلس الوزراء، في حين ان الدستور يشدد على ان هذه الصلاحيات تصبح منوطة بمجلس الوزراء مجتمعا لا برئىسه فقط.
هل هذا يعني ان الدستور بحاجة الان الى مرجع يحدد دور المعتكف او المستقيل، في اثناء الفراغ الرئاسي، تفسير الدستور، وهذا امر صعب بالغ الاهمية في الحقبة التالية