دنيز عطاالله حداد

ليس في تشبيه العمل الحزبي للبنانيين في استراليا بنظيره في لبنان ظلامة أو تجنٍّ. هو توصيف لواقع الحال من الانقسامات والحساسيات الموروثة. الفارق الوحيد أن لا خوف في استراليا من اندلاع «فتنة» لها ترجماتها وممارساتها العنفية. أما الأفكار المسبّقة بين مناصري الأحزاب المختلفة عن بعضها بعضاً، أما قناعتهم بأن كل فريق منهم يملك الحق والحقيقة المطلقة، أما الخلاف على التفاصيل اللبنانية، كما على القضايا الكبرى، فهي نفسها كما في لبنان، كذلك في استراليا.
اللافت للانتباه أن اللبنانيين المنقسمين حول السياسة اللبنانية وتفاصيلها المحلية والمنتمين الى أحزاب متخاصمة، قد يجتمعون في حزب استرالي واحد يلتزمون بخياراته أو يناصرونه.
فماذا يعني أن ينتمي استرالي من اصل لبناني الى حزب لبناني؟ اي دور يلعبه هؤلاء في الحياة السياسية اللبنانية؟ هل من تأثير لهم على السياسة الاسترالية تجاه وطنهم الأم؟ هل لهم مشاريعهم وبرامجهم التي تراعي بعض الخصوصية الاسترالية أم أن التزامهم حديدي بمواقف وقرارات الحزب المركزية؟ مَن مِن الأحزاب اللبنانية لها فروع ومكاتب في استراليا؟ ما هي أهدافها ومشاريعها وكيف تنظر الى مستقبلها؟ وكيف يمكن التوفيق في الولاء بين البلدين، أقله أخلاقياً وضميرياً؟
اللافت للاهتمام أن كل الاحزاب اللبنانية لها فروع ومكاتب وممثلون في استراليا، باستثناء «حزب الله» المحظور، وإن كان له مناصرون . من «الكتائب» و «المستقبل» و «القوات» و «الشيوعي» و «القومي» و «الاشتراكي» و «المردة» و «أمل» الى «الأحرار» و «حركة الاستقلال» و «اليسار الديموقراطي».
نشطت الاحزاب اللبنانية في استراليا في بداية السبعينيات. ومع اندلاع الحرب اللبنانية بدأت الانقسامات تتسلل الى الجالية. ومع كل موجة هجرة، كان المغتربون الجدد يحملون معهم انحيازاتهم الحزبية وضمناً الطائفية.
الحزب التقدمي
يختصر ممثل الحزب التقدمي الاشتراكي الدكتور ممدوح مطر بعضاً من قصص كثيرين من الحزبيين. ففي الخامس من شباط 2016 يكون قد مضى على وجوده في استراليا 26 عاماً. جاءها اشتراكياً لبنانياً وبقي على امتداد أكثر من ربع قرن. انتسب الى منظمة الشباب في الحزب التقدمي بمرسوم خاص لأنه لم يكن قد بلغ الـ 18 عاماً. ومنذ ذلك التاريخ وهو يعمل ويحلم بـ «تطبيق العدالة الاجتماعية في بيئتي الصغيرة وفي عملي ومجتمعي ووطني».
يقارب الطبيب، المحترم من معظم أبناء الجالية، السياسة من منطلق أخلاقي. لذا فنقده يطال الجميع وفي مقدمهم حزبه وزعيم حزبه و.. نفسه. يضحك حين يقول إنه مسؤول الحزب في سيدني منذ نحو عشرين عاماً «يعني أضرب من وليد جنبلاط». هو من الحزبيين القلائل الذين يحافظون على علاقات جيدة مع معظم ممثلي الأحزاب في استراليا. برأيه «منطلقات كل الأحزاب ومبادئها جيدة. السؤال هو عن التطبيق والممارسة». يأسف «لتضخيم أدوار الطوائف في لبنان عوض أن تزداد مساحة المواطنة. لم يتعلم اللبنانيون بعد أنهم محكومون بالتسوية والتوافق. لا أحد يمكنه أن يلغي أحداً. فالبلد يتّسع للجميع. وكل ما نفعله أننا نزيد من إضعاف البلد وبالتالي نفسح في المجال للتدخلات الخارجية، ليكون لها الكلمة الفصل».
يقول مطر إن «الحزب التقدمي الاشتراكي» في لبنان «لا يطلب منا شيئاً. حتى اننا لا نسدد اشتراكات حزبية. لكننا، بحسب ظروفنا وظروف البلد، نقوم ببعض المبادرات، كتقديم مساعدات لبعض البلدات، والوقوف معنوياً الى جانب لبنان عند الأزمات».
لا يخاف «الاشتراكيون» في سيدني من الأرقام. يقول مطر إن «الملتزمين الحزبيين في سيدني هم نحو ستين شخصاً. اما المناصرون فهم أكثر من تسعين في المئة من العائلات الدرزية الموجودة في سيدني. نحو 40 في المئة منهم من الدروز السوريين. هؤلاء يؤيدون ضمناً (الرئيس) بشار الأسد، ونحن نعارضه. لكن ماذا نضيف نحن أو هم في الصراع الدائر؟ لماذا ننقل انقساماتنا الى هنا؟ نحاول قدر الإمكان البناء على ما يجمعنا عوض الانقسام حول ما يشتت ويفرق».
يتشعّب الحديث مع الدكتور مطر فيطال حتى «الموقف الأخلاقي بالانتماء إلى حزب لبناني». يقول «عندما أصبحنا مواطنين استراليين أعلنّا انتماءنا إلى استراليا. وقد سأل أحد الأصدقاء قبل فترة في مقالة كتبها، عن ماهية انتمائنا الحزبي وازدواجيته، أقله ضميرياً». وهل حسم هو هذا التنازع؟ يجيب بصراحة «انتمائي الحقيقي الى استراليا».
التيار الحر والمردة
لا يشعر منسق «التيار الوطني الحر في سيدني» طوني طوق بأنه مقسّم بين السياسة الاسترالية واللبنانية. برأيه «نحن نعيش في دولة محترمة ونمارس كل حقوقنا تحت سقف القانون الاسترالي. ونُسهم في تفاعلنا بالمجتمع الاسترالي بخلق قوة دفع وحصانة لحماية لبنان حرّاً ومستقلاً».
طوق الذي اعتبر بعضهم أنه تمّ اختياره منسقاً للتيار، بسبب اسم عائلته، هو نسيب ستريدا طوق جعجع، يبتسم «لهذا التحليل»، مؤكداً أنه «مؤمن بخط التيار وطروحاته السياسية، إيماني بالمؤسسة العسكرية ودورها في حماية لبنان». يقر بأن «الواقع السياسي اللبناني ينعكس بشكل كبير على الواقع والعلاقات بين الأحزاب في استراليا. فعلاقتنا بـ «تيار المستقبل» مثلاً ليست في أحسن الأحوال». ويضيف ان «المطران انطوان طربية حاول منذ تعيينه ان يجمع الاحزاب المختلفة، بدءاً من المسيحيين وصولاً الى الأحزاب اللبنانية كلها. وقد جمعتنا لقاءات مع عدد من الأحزاب من باب تعزيز التواصل والتفاهم».
التقينا طوق في أحد مقاهي سيدني. كان برفقته انطوان الحلبي وهو منتسب الى «تيار المردة» في سيدني. يومها، لم يكن اسم سليمان فرنجية مطروحاً لرئاسة الجمهورية بالطريقة التي حصلت. كان الرجلان «حليفين». هل تغيّر الواقع اليوم؟ لا يمكن الاجتهاد بالإجابة، لكن الأكيد أن الحلبي يرى في زعيمه «رجلاً صادقاً وشجاعاً وحريصاً على لبنان». وهو المولود في سيدني لأبوين من «المردة»، قرأ على ما يقول «الكثير من الكتب عن ضيعتي وتأكدت من أن زغرتا كان قرارها دائماً في يدها، وخرج منها خمسة بطاركة ورئيسا جمهورية ورجال عظماء كحميد فرنجية وجواد بولس». ويخلص إلى التأكيد أن «انتسابي الى المردة سنة 2007 يعني عودة السبع الى عرينه».
تيار المستقبل
كان اغتيال الرئيس رفيق الحريري مفصلياً في الالتفاف حول «تيار المستقبل» في استراليا. لقد أصبح لديه أربع منسقيات، الأكبر منها في سيدني كما في ملبورن وكامبرا وبيرث. يقول عبدالله المير منسق التيار في استراليا إن «ثمانين في المئة من السنة في استراليا هم من مناصري تيار «المستقبل». وقد يبلغ عددهم نحو 12 ألف شخص. إلا أننا نواصل ترتيباتنا التنظيمية، خصوصاً أننا فتحنا باب الانتساب من فترة غير طويلة». ويعتبر المير أن «دورنا اساسي في الاغتراب لجهة عكس صورة الاعتدال والانفتاح. وهذا الخط الوحيد الذي يمكن الرهان عليه لبناء دولة. وطموحنا أن نرى في لبنان دولة تشبه الدولة الاسترالية لجهة الحفاظ على حقوق الجميع وتساوي المواطنين أمام القانون».
يؤكد أن «التنسيق بيننا وبين مكوّنات 14 آذار قائم وبشكل دائم ونلتقي على المستوى السياسي والاجتماعي. لكن هذه اللقاءات تتراجع نسبياً مع قوى 8 آذار. لا خلافات على المستوى الشخصي، لكن التواصل السياسي واللقاءات هي في حدّها الأدنى».
الحزب الشيوعي
لهذه الأسباب ربما، يرى مسؤول الحزب الشيوعي اللبناني في استراليا خليل الراسي أن «الجالية هي صورة مصغرة عن المجتمع اللبناني بانقساماته الحادة، ولكن بصورة أكثر تشويهاً». يأسف الراسي للتعصّب الحزبي والفئوي السائد بين صفوف الجالية اللبنانية على حساب وحدة الجالية ووحدة قضايا الاغتراب.
وإذ نوّه بأخلاقية ومناقبية بعض رموز العمل الحزبي والسياسي، رأى أنه لا يمكن إطلاق صفة أحزاب على الكثير منها، فهي أقرب الى تجمّعات وتشكيلات سياسية ودورها مقتصر على شدّ العصبيات على اختلاف أشكالها وألوانها، من مناطقية وعشائرية وطائفية ومذهبية، لتتحوّل بذلك «الى أحزاب فاقدة للمبادرة والى أبواق تردّد مواقف قياداتها المركزية».
وعن دور الحزب الشيوعي، أشار الراسي الى العلاقة المميّزة التي تربطهم بالحزب الشيوعي الأسترالي والتأثير الإيجابي لهذه العلاقة على القضايا الوطنية اللبنانية والقومية العربية وبالتحديد قضية فلسطين.
وقال: «تبوّأ عدد من الرفاق مواقع اساسية في اتحادات النقابات العمالية ولنا علاقات مع حزب العمال الأسترالي، وقد ساهمت كل هذه العلاقات في رفع مستوى التضامن مع قضايانا الوطنية والعربية، وأنتجت مذكرات أرسلت الى الحكومات المتعاقبة المحلية والفدرالية، وتحديداً عند الاعتداءات والاجتياحات والمجازر الإسرائيلية، وكان لنا دور إنساني من خلال إرسال العديد من المساعدات الطبية».
وعن العمل ضمن الجالية، أسف الراسي الى أجواء الانقسامات، ولفت الى الآثار والتداعيات السلبية للعديد من الزيارات التي يقوم بها بعض المسؤولين الحزبيين وبعض «الحزبيين الرسميين»، كبعض الوزراء والنواب، فهم ينقلون أجواء الشحن الطائفي والمذهبي الى دنيا الاغتراب، ويعمّمون الخطاب التحريضي وكنا نواجه ذلك ببيانات إعلامية تنشر في الصحف الصادرة في سيدني، لأن هذه الأجواء تزيد في قسمة اللبنانيين ولا توحّدهم، فيما المطلوب خطاب وطني اغترابي يوحّد فعلاً لا قولاً».
وعن سلبيات وإيجابيات الاندماج، يجيب الراسي أن الأمر نسبي، ويوضح «أن الجيل الأول يعيش بأكثريته في عزلة عن قضايا استراليا، حيث تقطن الغالبية في أحياء ومجمّعات ومناطق من لون واحد، وهناك أفراد من الجيل الأول نجحوا في مجالات عدة اقتصادية ومهنية، أما الجيل الثاني، أي المولود في استراليا، أو أنه هاجر صغيراً، فالكثير منهم قد اندمجوا نتيجة التنشئة والتحصيل العلمي والعمل وبرز منهم العديد في مراكز إدارية ورسمية هامة وواعدة». ويشدّد «على أهمية أن يفعل لبنان الدولة علاقاته مع الجاليات وبالتحديد مع هذه الفئة الواعدة من المغتربين».
الكتائب
قد يكون «حزب الكتائب» من أقدم الأحزاب الناشطة في استراليا. فهو بحسب المسؤول في سيدني بيتر مارون «أصدر أول صحيفة لبنانية وعربية في الانتشار عام 1952 أسماها «صوت لبنان». ونحن الى اليوم، ومع إقفال الصحيفة، لا نزال نرفع صوت لبنان وقضاياه».
مارون الذي وصلت عائلته للمرة الاولى الى استراليا سنة 1888، أصّر الجد والابن والحفيد على ان ينجبوا اولادهم في لبنان ويدخلوهم الى مدارسه قبل أن يسافروا شباناً الى استراليا. لذا وصلها هو عن عمر 16 سنة. ورث انتماءه لـ «الكتائب» عن والده الذي انتسب للحزب سنة 1938، كما ورث «حب لبنان والإيمان به والعمل من اجل قضاياه». اما كيفية ترجمة ذلك فيقول: «ندعم لبنان بطرق كثيرة. أحياناً بالعمل مع الدولة الاسترالية وعبر وزارة الخارجية والوزراء والنواب الاستراليين ليكون صوتاً فاعلاً ومؤثراً وصولاً إلى قرارات الامم المتحدة. وحين نستطيع نؤمن بعض المساعدات الاقتصادية او الدعم لجمعيات او رعايا او سواها».
يؤكد أن «علاقة «الكتائب» أكثر من جيدة مع كل الاحزاب في استراليا. فنحن ننتمي الى مدرسة الاعتدال والانفتاح وزمن لبنان الجميل والراقي حيث التعددية في الرأي والموقف والدين والثقافة هي مصدر غنى لا نزاع».
القوات اللبنانية
يفاخر ممثل «القوات اللبنانية» في سيدني طوني عبيد بأن «رئيس وزراء استراليا السابق طوني آبوت حضر الحفل الذي أقمناه السنة الماضية. هذا دليل على حجمنا ومدى تأثيرنا». يؤكد «أننا الحزب اللبناني الذي نملك أكبر قاعدة مناصرين في استراليا. معظمنا يعتبر أنه تم سلخه عن لبنان ولم نأت بإرادتنا. ومع كل تقديرنا ومحبتنا ووفائنا لاستراليا إلا أننا تركنا الروح والقلب في لبنان. لذلك نحاول أن نساعده على قدر قدراتنا. أحيانا بالموقف واحيانا بمئة دولار وأحياناً بالصلاة والدعاء».
علاقة «قوات» استراليا مع سائر الاحزاب اللبنانية «جيدة» على ما يصفها عبيد، مضيفاً «نحاول ان نلتقي على ما يجمعنا وهو لبنان الوطن الحر المستقل. لكل منا نظرته الى الأمور لكننا نحافظ على علاقاتنا الاجتماعية وجذورنا المشتركة».
وعما إذا كانوا متحمّسين للتقارب ما بين «القوات» و «التيار»، وترشيح الدكتور سمير جعجع للعماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية فيقول «يجب طي صفحة الماضي. نحن نثق بأن الدكتور جعجع يقوم بما فيه مصلحة المسيحيين ولبنان. وهذا لا شك ينعكس انفتاحاً وتواصلاً أكبر بين حزبينا».