الياس الديري

حديث «الاحتمالات اللبنانيّة المفتوحة» سيوسِّع دائرته في الأيَّام المقبلة، على ما أبلغتنا عرّافات دلفي، وعلى ما أكّده قدامى المحاربين: لو بدّها تشتّي رئيس ما كان بدّها سنتين أو شهرين، ولا حتى يومين. فالقصّة فيها أشياءٌ أبعد من «المظلّة الأمنيّة»، وأخطر ممّا يروّجه «حزب الله» وأعضاء «هيئة التمويه والتأجيل».
مثلما فيها ما فيها من أحداث المنطقة، وحروبها، وعدم إقدام المجتمع الدولي والشرعيّة الدولية، وخصوصاً لاختفاء حس أميركا، على اتخاذ إجراءات جدّية فعّالة تعجِّل في إعادة الأمور إلى طبيعتها… أو وقف النزف والخراب عند هذا الحد.
والوضع السوري يشهد يوميّاً ما يعبِّر عن أمور وتوجّهات وقرارات في غاية الخطورة. كذلك الأمر بالنسبة إلى الوضع العراقي، والوضع اليمني، كما الوضع الليبي.
وبما أن لبناننا شبه السائب، وشبه المعطَّل وشبه الممنوع… بل الممنوع عن سابق تصوُّر وتصميم من انتخاب رئيس، وشبه الممنوع من إيجاد حل لكارثة الزبالة بعد محاولات تكاد تقفز إلى جوار السنة، وشبه المعرَّض للإفلاس الجماعي، وبما أن هذا اللبنان المعتَّر بأهله وحملة هويته ومحتلّي الصفوف الأماميّة من المنطقة وفي قلبها، فإنه سيبقى على حاله، وبلا رئيس وبلا مؤسّسات، إلى أن تتّضح معالم الصور والنهايات في الجوار على الأقل.
يعلم الجميع، هنا في لبنان، كما في العالم العربي، كما في واشنطن ولندن وباريس وموسكو، أن لا حل للوضع اللبناني المنهار إلاّ بانتخاب رئيس للجمهورية. ويعلم الجميع أن لا انتخاب لرئيس ما لم تتّضح معالم النهايات التي سترسو عليها اوضاع المنطقة… وما لم يرس الوضع السوري على برٍّ معيّن، أو يحصل ما يروِّجون له عن الفيديراليات والتقسيمات، وعلى أساس خريطة جديدة للعالم العربي تنقل تقسيماته المزمنة من خريطة اتفاق سايكس – بيكو إلى خريطة اتفاق جديد مذيل بتوقيعي كيري – لافروف.
يُروى عن «العزيز هنري» كيسينجر أنه اقترح في إحدى رسائله إلى «عزيزه» الرئيس أنور السادات للانتقال إلى شرق أوسط جديد، والى اتفاق يدخل تحديثات و»تعديلات مريحة ونهائية» على «التقسيمات التي أكل الدهر عليها وشرب»، واعادة النظر في تركيبة المنطقة، وإعادة توزيع ما لها وما عليها.
طبعاً، ليس في الإمكان الآن الدخول في نقاش حول هذه الأفكار والاقتراحات والاحتمالات. غير أن إصرار القوى الكبرى والدول الكبرى على عدم حسم حروب الشرق الأوسط القديم يشير إلى رغبات في اتجاه إدخال تغييرات وتعديلات على كل ما هو سائد الآن.
وباعتبار أن لبنان «ضمن» اتفاق سايكس – بيكو، فمن البديهي أن يغادره مع المغادرين، ويدخل اتفاق كيري – لافروف إذا كان وارداً حقاً. عندئذ تصبح أسباب الفراغ اللبناني مقروءة من مسافات بعيدة.