الحاكم رياض سلامة أصبح إسماً موازياً للثقة والاستقرار في داخل البلاد وخارجها، هو الأفضل في هذه الظروف، فمنذ العام 1993 يدير بكل حنكة ودراية الأزمات المالية والمحطات الخطيرة التي رافقت وترافق كل إنعطافة سياسية كانت أو أمنية تحصل في الوطن، وعليه مجرد الحديث عن صورة بديلة له في مركزه كانت تسبب جدلاً وسجالاً سياسياً، وهو رغم ذلك لم يتأثر.

رياض سلامة مخترع الحلول لكثير من المآزق المالية والإقتصادية، والمرشح الدائم مع كل إستحقاق رئاسي للرئاسة الأولى، نظراً لمواكبته الحروب والمشاكل والأزمات الإقتصادية، في أكثر من محطة وأكثر من مفصل أساسي، ونجاحه في تمرير اكثر من قطوع، مما ربط في كثير من الأحيان أسمه بإستقرار الليرة اللبنانية والسياسة النقدية.

إنطلاقته الأولى في عالم المال، بدأت بعد تخرجه من الجامعة الأميركية، حين عقد لقاء عمل مع مدير شركة ميريل لينش المالية الأميركية، أصبح بعده مسؤولاً عن عملية شراء الأسهم وبيعها في المؤسسة، وثم أصبح مقصد رجال الأعمال العرب، وأشهر موظف في مؤسسة ميريل لينش خارج أميركا، فهو الحائز على عدة جوائز كأفضل وأكبر متداول للأسهم في العالم عدة مرات.

وعلى الرغم من اندلاع الحرب في لبنان في العام 1975، استمر سلامة في عمله في بناية ستاركو. من ثم انتقلت مكاتب المؤسسة الى منطقة الحمرا – أوتيل كفالييه، وبعدها الى الشانزليزيه في باريس. بعد أن ذاع صيته، إتصل به محامي الرئيس الشهيد رفيق الحريري الخاص، باسيل يارد، وطلب منه توظيف بعض الأموال الخاصة بالحريري. وهذا ما حصل. ومن ثم تعرّف اليه الرئيس الحريري، وأحب تمرسه في العمل، لدرجة أنه عرض إسمه كحاكم لمصرف لبنان في العام 1993، وكان بمثابة مستشاره المالي في كثير من الأزمات والملمات التي مرّ بها لبنان.

بقاء الليرة اللبنانية في مرتبة مرتفعة، همه الأكبر. حاول حمايتها مستعيناً بخبرته الطويلة، وكانت لهندساته المالية المتميزة اليد الطولى في منع الإنهيار النقدي في أصعب الظروف التي عاشها لبنان. تسلّم منصبه بعد مضاربات سياسية على العملة الوطنية، وعقب حرب قضت على القدرة الشرائية لغالبية اللبنانيين.

سلامة البنية المصرفية

جُدد له حاكمية مصرف لبنان ثلاث مرات بعد أن أثبت أنه رجل دولة لم يدخل في الأنفاق السياسية وزواريبها، ورغم الضعف الذي ضرب الاقتصاد الوطني، ومع إرتفاع حجم المديونية، حافظ سلامة على إستقرار الليرة وعلى سلامة البنية المصرفية، وكان دائماً الرادع في وجه الكثير من التدابير المؤقتة أو الإستثنائية التي إتخذت في الكثير من الدول البعيدة والقريبة، كما وقف في وجه محاولات القضاء على هذا السند الأساسي للبلد، من خلال سلسلة إجراءات وقائية هو عرابها، وهو إنطلاقاً من هذا، حاز على لقب أفضل حاكم بنك مركزي في العالم من قبل مجلة يورو موني وسلّمته في العام 1996 جائزة أفضل حاكم مصرف مركزي عربي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكان أصغر حاكم مصرف مركزي على الإطلاق، ثم في العام 2003 في دبي والعام 2006 كأفضل حاكم في العالم وتسلم الجائزة في سنغافورة.

ويبقى القول، إن همّ رياض سلامة اليوم حماية الليرة اللبنانية حسب ما ينقل عنه الجميع، وهو لن يتراجع عن هذا الهدف لأنه مؤمن بمستقبل لبنان، وهناك من يقول أن الذي إستطاع حماية الليرة اللبنانية وإبعادها عن الإنزلاقات، قادر على حماية البلد بكل مكوناته.

أفضل حاكم مصرف مركزي

لعل سلامة من أكثر من حاز على جوائز تكريمية في تاريخه العملي نظراً لإنجازاته على الساحة المصرفية بشكل خاص والإقتصادية بشكل عام: منظمة مصرفيون من أجل مستقبل أفضل ومركزها فرانكفورت – ألمانيا، قدمت له جائزة أفضل حاكم مصرف مركزي للعام 2004، وقد إختارته من بين 20 حاكم مصرف مركزي في العالم، كما حاز عدة جوائز كأفضل متداول للأسهم في العالم، ومنح من قبل جمعية المصرفيين العرب في شمال أميركا جائزتها السنوية لسنة 2007، تقديراً منها لأدائه المميز على رأس الحاكمية منذ تعيينه العام 1993.

مع بداية توليه منصبه، كانت موجودات المصرف المركزي لا تتعدى 300 مليون دولار، فباشر ببناء الثقة بالنقد اللبناني، حتى أصبحت لليرة اليوم مكانتها بين باقي العملات، فيما موجودات البنك المركزي تفوق العشرين ملياراً.

حقّق سلامة الكثير من الإنجازات في مسيرته المهنية، بحيث عزّز الرقابة على المصارف ووضع معايير عالمية وعملية وقواعد ثابتة للتسليف. جهّز مصرف لبنان بالتقنيات الحديثة، وركّز على ثبات الّليرة الّلبنانية وعلى عدم المسّ بها، ومنع المصارف من استخدام الودائع في الاستثمارات في مشتقات استثمارية، وفيما سمح لها بافتتاح فروعٍ لها في العالم لجلب واردات عالية من الأسواق الدولية واجتذاب الأموال إلى لبنان.

عدم القيام بعمليات

لمصلحة حزب الله

وفي أول ردّ لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة على بدء سريان القانون الأميركي الخاص بمعاقبة حزب الله، قال سلامة في حديث تلفزيوني إن على المصارف عدم القيام بعمليات ذات حجم كبير يمكن أن تكون لمصلحة حزب الله، محمّلاً المصارف مسؤولية قراراتها. وطلب من المصارف التي ستقفل حسابات من شملتهم العقوبات الأميركية أو تمتنع عن فتح حسابات لهم أن تبلّغ هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان وانتظار جوابها.

وكان وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر قد صرح بعد لقائه وزراء الدفاع في دول الخليج في الرياض بأن التعاون الأميركي – الخليجي متواصل لمواجهة أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار، معتبراً أن حزب الله هو مثال لنشاط إيران في المنطقة.

لدينا الإمكانات

للتحكم في السوق

واوضح حاكم مصرف لبنان في احد اللقاءات: إن مصرف لبنان لديه الإمكانات التي تتيح له التحكّم في السوق، ولا سيما لجهة موجوداتنا المرتفعة وسلامة قطاعنا المصرفي، وخصوصاً بعد اجتماعات غافي الأخيرة، التي رأت أن لبنان من الدول التي استكملت كل الإجراءات، وبالتالي لم يعد ضمن الملاحقة، ولا خطر يلحق به من احتمال وضعه على لائحة العقوبات. هذا الامر يسهّل التحويلات إلى لبنان.

لا يوجد طلب رسمي

لسحب الودائع الخليجية

ويضيف سلامه، لم نتلقّ أي طلب لسحب الودائع الخليجية. نحن ممسكون بكل المعطيات السوقية، هو أمر طبيعي والأسواق تعمل بصورة عادية والمصارف أيضاً. ونحن نترك حرية التصرف للمصارف التي قد تعمد إلى سحب الودائع إلى الخارج بعد تحويلها إلى الدولار، لكن لا أحد لديه مصلحة للقيام بأي عمل من شأنه سحب الودائع أو خلق الطلب على الدولار. المودعون في لبنان يتقاضون فوائد، وبالتالي لا مصلحة لديهم في نقلها إلى الخارج، حيث لا فائدة عليها. ما نلمسه حالياً هو استقرار، ولا نلمس أي تحرك غير طبيعي في السوق يدعو إلى الشك والقلق. ميزانية مصرف لبنان وميزانية القطاع المصرفي كافيتان للبرهنة أمام الجميع أننا مسيطرون ولدينا القدرة الكافية على الإمساك بالسوق. ونحن ننتظر أن يكون هناك تراجع في التحويلات من الخارج، بسبب انخفاض سعر النفط الذي يخفّف السيولة في كل المنطقة وليس في لبنان فقط. إن إنخفاض اسعار النفط والمواد الاولية يجعل التدفقات من أفريقيا أقل من مستواها الاعتيادي، إلا أن هذا الأمر لا يعني أن التحويلات ستتوقف، بل ستكون أقل مما كانت عليه والسبب ليس سياسياً. السيولة أقل بسبب انخفاض سعر البترول، إنما ستبقى متوافرة.

سياسات محافظة

تبقي سيولة مرتفعة

ويلفت النظر إلى أنه كانت هناك الكثير من الخطوات الاستباقية التي قمنا بها لمواجهة النمو المتواضع أبرزها الفوائض المالية. هذه السنة ليست سنة أزمات نقدية واقتصادية، علماً بأننا استبقنا أي أزمة من خلال الاعتماد على سياسات محافظة تبقي سيولة مرتفعة. أصبح لدينا سيولة فائضة بقيمة لا تقل عن 20 مليار دولار قابلة للتوظيف في لبنان. ومن أبرز نتائج السياسة المحافظة هو أننا جمّعنا مبالغ بالعملات الأجنبية توازي ما لا يقلّ عن ٨٠% من الناتج المحلي الإجمالي، وإذا نظرنا إلى الأزمات من حولنا ولدى الدول الناشئة يظهر أنها تعاني أزمات مرتبطة بالعملات الأجنبية إلا لبنان.

سلامة في الأمس كما اليوم، كان لكلمته التي ألقاها في جلسة اللجان المشتركة الأخيرة لدرس السلسلة والتحذيرات التي ساقها لنتائجها على الإستقرار النقدي، من دون دراسة موضوعية لهذه السلسلة وطرق التمويل، الأثر الكبير على مواقف النواب، لمعرفتهم بوجهة نظره الثاقبة في هذا المجال، وإبتعاده عن التسييس في قراءاته الإقتصادية.

رياض سلامة بحق مهندس السياسة النقدية.

رياض سلامة في سطور

ولد رياض سلامة في العام 1950. له شقيقة هي منى زوجة جو عيسى الخوري، وشقيقان هما رمزي رسام وروائي ورجا رجل أعمال.

رياض توفيق سلامة إبن عائلة عريقة من انطلياس هاجرت الى ليبيريا في أفريقيا، وأسست متاجر كبرى. والدته السيدة رينيه رومانس سلامة، التي اشتهرت بأعمالها الخيرية والاجتماعية، وكانت عضواً فاعلاً في الصليب الأحمر اللبناني، وتوفيت العام 1982.

تربى في منزل جده في أنطلياس، وأشرفت على دروسه شقيقة والدته السيدة لورا تابت زوجة رجل الأعمال السيد فؤاد تابت. عاد والداه الى الوطن عندما أصبح في الثامنة عشرة من عمره. وبالتالي فقد أمضى طفولته ومطلع شبابه بعيداً عنهما.

تلقى علومه في مدرسة الجمهور، ومن ثم التحق بالجامعة الأميركية في بيروت، وحاز إجازة في إدارة الأعمال، حيث التقى بندى كرم وتزوج منها وهي كاتبة ولها مؤلفات، وله منها أربعة أولاد: إبنه نادي، وبناته نور، رنا وريم.

تأثر رياض سلامة بوالده الذي كان يتمتع بالعقلانية، ويلتزم بشعاره الحياة صعبة، والنجاح لا يأتي إلا بعد الجهد والمثابرة.

رياض سلامة للاعلامي الكبير مرسال غانم في كلام الناس

القانون ضد حزب الله سياسي بامتياز

والتعاطي معه إحترافي ومالي بامتياز

وكان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة قد أكد في حديث مع الاعلامي مرسال غانم ضمن برنامج كلام الناس، أن مصرف لبنان سيصدر تعميما يعلن فيه التزام لبنان تنفيذ القانون الصادر في الولايات المتحدة، محملا المصارف مسؤولية تنفيذه.

وأشار سلامة إلى أن الثقة مستمرة في القطاع المصرفي اللبناني، وأن هناك انجازات تمت واعتُرف بها إقليمياً وعالمياً، مؤكدا أن ما يحكى عن ادراج لبنان على اللائحة السوداء لناحية عدم التعاون في اطار مكافحة تبييض الاموال امر غير صحيح.

واعتبر سلامة أن القانون الصادر من الكونغرس ضد حزب الله هو سياسي بامتياز، لكن التعاطي معه هو احترافي ومالي بامتياز، موضحا أنه يجب على المصارف اللبنانية أن تتخذ التدابير اللازمة لعدم مخالفة هذا القانون.

وأعلن حاكم مصرف لبنان أن هناك إعتراف دولي بأن لبنان استكمل كل ما هو مطلوب منه من حيث القانون، معتبراً أن الحملات السيئة التي تشن عليه تعود ربما إلى أسباب سياسية لكنها لا تنجح.

مصرف لبنان:

إرث التحدي وثقافة الالتزام

لا شكّ أن السياسة النقدية التي يتبعها مصرف لبنان منذ أكثر من عقدين قد أرست نظاماً نقدياً مستقراً ونظاماً مالياً محصناً، كان لهما اليد الطولى في مدّ الاقتصاد اللبناني بمقوّمات الصمود ووسائل التكيّف وأدوات التطوّر، على مدى حقباتٍ بالغة الحساسية من تاريخ لبنان. وتمتدّ هذه الحقبات بدءاً من المرحلة التي أعقبت انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية خلال تسعينات القرن الماضي، بتبعاتها وتحدياتها، مروراً بمرحلة التوترات الإقليمية والمحلية في العقد الأول من الألفية الثانية، بأثقالها وتجاذباتها، وصولاً إلى مرحلة الحروب والأزمات الإقليمية والدولية التي نعيشها منذ بداية العقد الثاني، بأخطارها وتعقيداتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وإذا شكّل مصرف لبنان عنواناً مؤسساتياً للاستقرار والحصانة، من خلال سياساته وكفاءة حاكميته وإدارته وجهود موارده البشرية، فإن العنوان القائد والمؤسس والملهم والموجّه لتجربة مصرف لبنان – ما بعد حقبة الحرب الأهلية – هو رياض سلامة. لقد نجح رياض سلامة، منذ أن تسلّم دفّة حاكمية مصرف لبنان عام 1993، في التصدي للتحديات والالتزام بالثوابت على مستويين اثنين: المستوى الأول هو إلهام كل مواطنٍ لبناني، مهما كان انتماؤه، الثقة والاطمئنان والتفاؤل بمستقبل اقتصاده وطاقات وطنه الكامنة، بالرغم من كل ما يحيط به من أزمات متعددة المصادر. أما المستوى الثاني، فهو بثّ روح الريادة في التجربة اللبنانية على الصعيدين العربي والدولي، لا سيما المالية والمصرفية منها، بحيث أضحت سياسة مصرف لبنان النقدية نموذجاً سبّاقاً ومثالاً يُحتذى به في المحافل المالية الدولية والمصارف المركزية العالمية. وكلا المستويين المذكورين يكتسب أهميةً استراتيجية في مسيرة النهوض بالدولة ومؤسساتها، وتحقيق النمو والتنمية الاقتصاديين والاستقرار الاجتماعي. فلا نهوض دون ثقة المواطن بوجود المقومات الأساسية لهذا النهوض، ولا نمو وتنمية دون إعادة إطلاق الإشعاع اللبناني الريادي في المشرق باتجاه الآفاق العالمية الرحبة.

وما أدلّ على كلّ ما تقدّم سوى الدور الذي يلعبه مصرف لبنان منذ تأسيسه، وفي العقدين الأخيرين على وجه الخصوص، في رفد الاقتصاد اللبناني بشرايين النمو ووسائل التنمية، ودعم الدولة اللبنانية من خلال آليات التمويل والهندسات المالية. كذلك يدلّ أداء الأستاذ سلامة المميّز وسجلّه الحافل بجوائز التقدير كأفضل حاكم مصرف مركزي عربياً وعالمياً لعدّة سنوات، أن لبنان الذي صدّر الأبجدية وأبدع في ميادين التجارة والمال منذ آلاف السنين، وتصدّر ساحات النهضة العربية المشرقية منذ قرنٍ من الزمان، لهو قادرٌ، من خلال إنسانه الرؤيوي الكفوء، على ابتداع الإنجازات والتألق الحضاري، حتى في ظلّ أصعب الظروف وأضعف الإمكانيات. فكيف إذا امتلك لبنان، بالإضافة إلى الرؤية الكفؤة، الاستقرار السياسي والنهج النهضوي الإصلاحي الميثاقي والظروف المؤاتية، واستطاع بالتالي البناء على كلّ طاقاته الكامنة؟

أما دور مصرف لبنان وإنجازاته، هذه المؤسسة – الحصن الحصين، فتشهد تقدّماً وتطوّراً مضطردين منذ عقدين حتى الآن، في مجال سياستها النقدية وآلياتها المالية وإدارتها الوظيفية. حيث أثبت مصرف لبنان، من خلال حاكميته، امتلاكه للرؤية والمثابرة بالرغم من الظروف الصعبة التي تواجه الوطن. وهذا النهج نابعٌ من قناعةٍ جذرية أن الأزمات، إذا أُحسن التعامل معها، يمكن أن تشكّل المناسبات الأكثر أهمية لإطلاق المبادرات، وحتى أن تكون فرصاً لإنجازات مستقبلية. لقد بُنيت هذه الرؤية على أساس العلاقة التكاملية بين النمو والتنمية الاقتصاديين من جهة، والاستقرار والأمن المجتمعي من جهة أخرى. وقد أثبتت عناصر هذا النهج يوماً بعد آخر جدواها وفعاليتها ونجاحها من خلال المقاربات التي سيلي ذكرها.

أولاً، الحفاظ على الاستقرار النقدي.

على صعيد الاستقرار النقدي، دأب مصرف لبنان على إبقاء سعر صرف الليرة اللبنانية ضمن هوامش مناسبة تحافظ على استقرار الأسعار وتسيطر على التضخم. ويعدّ هذا الاستقرار ضرورياً للحفاظ على الثقة وتحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي وتحفيز الاستثمارات الإنتاجية وتحسين فرص العمل.

فبالرغم من الصعوبات والتحديات التي يواجهها لبنان اليوم، أضحى لليرة اللبنانية مناعةٌ نتيجة السياسة المتبعة في مصرف لبنان، والتي حيّدت الليرة عن أي أزمات اقتصادية عالمية أو داخلية واهتزازات أمنية، عبر رفع قيمة الاحتياطي الأجنبي لديه، ومن خلال احتياطي الذهب الذي يشكل صمام أمان. وما هو جديرٌ بالاهتمام في هذه السياسة أنها لم تؤدّ إلى سلبيات تذكر، إن على صعيد سوق القطع أو استقرار الفوائد، كدليلٍ على توفّر عامل الثقة.

وبالإضافة إلى اتخاذ مصرف لبنان كل التدابير اللازمة للحفاظ على التوازن في السيولة، بما يحول دون حصول ضغوطات او ردود فعل سلبية قد تنجم عن فائض السيولة بالليرة، هدفت السياسة النقدية أيضاً الى الاستمرار في تأمين ملاءة الدولة اللبنانية مع تجنّب عامل التضخم والحفاظ على سلامة ميزانيته، ضمن ممارسة واجبه القانوني وهو المحافظة على الاستقرار التسليفي. وبذلك حال مصرف لبنان دون تعثّر الدولة وحرص على الحفاظ على مصداقيتها في سداد الديون والفوائد ضمن المهل القانونية، نظراً لآثار ذلك على القطاع المصرفي وسمعة لبنان. فهذه السمعة تعتبر رصيداً مهماً للبنان، وتلعب دوراً مؤثراً في سعر صرف الليرة وفي قاعدة الفوائد، كما تخفف من المخاطر على الوضع الائتماني ككل.

ومن أهم الانجازات النقدية التي قام بها مصرف لبنان خلال العقدين الماضيين، نذكر الآتي:

– الحفاظ على استقرار سعر الصرف ضمن هوامش مناسبة، منذ العام 1999 ١.٥٠١ – ١.٥١٤ ل.ل. للدولار الواحد.

– الحفاظ على استقرار الأسعار والسيطرة على التضخم ضمن إطار الهدف المنشود وهو أربعة في المئة.

– تعزيز موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية حيث تعدّت قيمتها 39 مليار دولار، يضاف إليها مخزونه الوفير من احتياطي الذهب الذي يشكّل صمّام أمان للاقتصاد الذي تساوي قيمته حالياً حوالي ال 12 مليار دولار وفقا لأسعار السوق، وهو رقم قياسي مقارنة بحوالي 3 مليار دولار في العام 1993، وبالمقارنة مع المصارف المركزية في المنطقة، كالبنك المركزي المصري حوالي 14 مليار دولارError! Reference source not found. وبنك الكويت المركزي حوالي 34 مليار دولار.

– تحقيق مناعة السوق المالي حيال المخاطر السيادية، أي المخاطر السياسية والأمنية، وهذا ما يتجلى في سوق القطع الذي شهد استقراراً في حركة التحويلات من الليرة اللبنانية إلى الدولار.

– إدارة السيولة التي حققت فائضاً تجاوز ال 16 مليار دولار، بشكل يتلاءم مع اتجاهات السوق ويمنع المضاربة والتضخم، حيث ضُبط فائض السيولة من خلال إصدار شهادات إيداع بالليرة اللبنانية و تشجيع التسليف بالعملة اللبنانية للمشاريع الانتاجية والسكنية والبيئية والتعليمية.

– المحافظة على مستويات الفوائد التي تحققت بقوى السوق، حيث انخفضت هذه الفوائد إلى مستويات مريحة للأسواق ومناسبة لتصنيف لبنان.

– المحافظة على الثقة الائتمانيّة للبنان من خلال الحرص على ملاءة الدولة ومصداقيتها، والاستعداد، عند الضرورة وفي حدود معينة، للتدخل من أجل تأمين حاجات الدولة التمويلية.

– المساهمة في خفض الدين العام، وذلك من خلال فعالية إدارة مصرف لبنان لتمويل الدين العام والمبادرات التي تم الالتزام بها في مؤتمري باريس-2 وباريس-3 لخفض كلفة المديونية. في هذا الإطار، انخفضت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل جذري من 180 في المئة في العام 2006 الى حوالي 137 في المئة في العام 2011، لتعود وترتفع قليلاً بسبب التباطؤ الحاصل في النمو الاقتصادي خلال الأعوام الأربعة الماضية.

– إنشاء وحدة الاستقرار المالي المنوطة بمراقبة الوضع المالي والمصرفي في لبنان والعالم، واستشراف المخاطر والأزمات المحتملة قبل وقوعها، لاتخاذ التدابير الاحترازية المناسبة لمواجهتها والتعامل معها، منعاً لانعكاسها على الاقتصاد اللبناني عموماً والقطاع المصرفي خصوصاً.

ثانياً، الحفاظ على سلامة النظام المصرفي والمالي

تطوير القطاع المصرفي

لقد قام مصرف لبنان بتطوير نظام مصرفي موثوق يتميز بتقيّده الصارم بالمعايير والمواصفات الدولية المصرفية والمحاسبية، خصوصاً ما يتعلق منها بكفاية رأس المال والإدارة الحكيمة والشفافية والربحية والسيولة ومكافحة تبييض الأموال. وقد أثبت هذا النظام صوابيته من خلال تمكنه من مواجهة المصاعب التي عصفت بالاقتصاد اللبناني.

وفي هذا المجال، اتخذ مصرف لبنان تدابير عديدة للمحافظة على سلامة النظام المصرفي والمالي، نذكر منها:

– الحرص على سيولة مرتفعة لدى المصارف وتشجيع تدفق الودائع باتجاهها، مما يمكّن الاقتصاد اللبناني من الاستمرار بتمويل حاجاته. فهذه السيولة تعتبر أساسية للنمو ولإعادة إطلاق النشاط الاقتصادي بعد انتهاء الأزمات السياسية والأمنية. إن المحافظة على هذه السيولة تتم من خلال التمسك بالنموذج المصرفي المحافظ والابتعاد عن المضاربة، بالإضافة إلى مواكبة مصرف لبنان الدائم للأسواق لإدارة السيولة بالليرة أو بالعملات الأجنبية، بغية الحفاظ على الثقة في نظام لبنان المالي.

– تدعيم رسملة المصارف اللبنانية بما يفوق متطلبات بازل-3، من أجل إبقاء المصارف منخرطة في العولمة المصرفية، حيث تجاوزت نسبة الملاءة لديها ال 10في المئة، لتصل تدريجياً إلى 12 في المئة في العام 2015، مما يساهم في تحصين القطاع المصرفي اللبناني. كما شدّد مصرف لبنان أيضاً على نوعية الأموال الخاصة للمصارف، حيث منح الأفضلية لكل ما له علاقة بالأموال الخاصة السائلة.

– اتخاذ جميع التدابير الاحترازية للتحوّط من مخاطر التسليف، باعتماد سياسات تسليفية تراعي ما بين الغاية التسليفية للقروض وإدارة المخاطر. فوُضعت ضوابط على التسليف، لا سيما العقاري منه، لمنع حصول فقاعة عقارية، وكذلك على الأسهم والسندات المحلية والدولية لحماية المصارف والمستثمرين من التقلبات المفاجئة والحادة في الأسواق الخارجية. إضافةً إلى ذلك، اتُخذت تدابير للحد من الانكشاف على الأدوات المالية السيادية التي لا يملك مصرف لبنان السيطرة الكلية عليها، حيث تم عام 2004 تنظيم تعاطي المصارف بالمشتقات المالية وإخضاعها للترخيص المسبق من قبل المجلس المركزي لمصرف لبنان.

– الفصل بين أعمال المصارف التجارية ومصارف الاستثمار، لحماية أموال المودعين وتجنّب استخدامها في استثمارات مرتفعة المخاطر. فمصارف الاستثمار يجب أن تقوم بدورها كأداة للتنمية الاقتصادية ورسملة القطاع الخاص وتأمين السيولة عبر التداول بالأسهم والسندات، مما يساعد في تغيير الطبيعة التمويلية للمؤسسات اللبنانية، التي ترتكز أساسا على المديونية.

– عدم السماح بإفلاس أي مصرف وتشجيع عمليات الاندماج بين المصارف، في إطار سياسة مصرف لبنان الحريصة على منعة هيكلية النظام المصرفي وسمعته، لما يشكّله هذا الإفلاس من تهديدٍ واهتزازٍ للأمن الاقتصادي-الاجتماعي. يهدف الثبات على هذه السياسة إلى إرساء الثقة لدى المودعين واستقطاب التحاويل، في الوقت الذي شهدت فيه هذه المصارف نمواً مهماً في الودائع والموجودات والتسليفات، بلغ خمسة في المئة، ليصل إلى 159 مليار دولار في بداية عام 2016، بنسبة دولرة بلغت 65 في المئة في النصف الثاني منن عام 2015 بعد أن وصلت إلى 77 في المئة عام 2008، في حين ما زالت المصارف تحافظ على ربحية مقبولة مع نمو بسيط.

– تشجيع المصارف على التسليف المتوسط الأجل وعلى تطوير المهنية اللازمة لتفعيل التسليف إلى القطاع الخاص الذي شهد ارتفاعا سنوياً بنسبة 9 في المئة. فابتداء من العام 2009، ولأول مرة في تاريخ لبنان المالي، فاقت تسليفات المصارف إلى القطاع الخاص تسليفاتها الى القطاع العام بقدرٍ مهم أكثر من 53 مليار دولار للقطاع الخاص وحوالي 38 مليار دولار للقطاع العام، مما يشكل تغييراً نوعياً في العمل المصرفي.

– المساهمة في توسيع رقعة انتشار المصارف اللبنانية في الخارج عن طريق تشجيعها ومواكبتها ووضع الأطر والمعايير المناسبة لهذا الانتشار.

المخاطر الخارجية وتنظيم القطاع المالي

لقد اتخذ مصرف لبنان كل التدابير اللازمة وأصدر التعاميم المطلوبة لمواجهة المخاطر الخارجية، بهدف الحفاظ على سمعة لبنان ومنع دخول الأموال غير الشرعية إلى السوق المحلية. وقد أثبت مصرف لبنان بواسطة الأجهزة المرتبطة به قدرته وتصميمه على تطبيق هذه التدابير من خلال الإجراءات التالية:

– بناء الهيكلية التشريعية الكاملة لسد أي ثغرات تشريعية. في هذا الإطار أصدر مصرف لبنان تعميماً في نيسان 2012 يمنع بموجبه جميع العاملين في القطاع المالي من التعامل مع المؤسسات والأشخاص الخاضعين لعقوبات في بلدان أخرى، وذلك لدى تعاملهم بعملات تلك البلدان أو لدى قيامهم بتحويلات عبر مصارف هذه البلدان.

– تنظيم عمل مؤسسات الصرافة من خلال تعديل التعاميم التي تنظم عمل مؤسسات الصرافة، وذلك بهدف ضبط عمليات الصرافين وتحسين نوعيتها لتحصين قطاع الصرافة والنظام المالي برمّته ومنع استعماله منفذاً لتمرير عمليات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. ومن أهم هذه التعديلات زيادة رأسمال شركات الصرافة والاشتراط على إداراتها إتمام دورات تأهيلية، بالإضافة إلى عمليات التحاويل النقدية وفقا لنظام الحوالة.

– الحرص على وضوح وشفافية المؤسسات المالية وغيرها من الوسطاء الماليين، ما يجعل تحويل الأموال غير الشرعية عبر القطاع المالي أمرا في غاية الصعوبة.

– التشديد على تطبيق مبدأ الإدارة الرشيدة والتحكّم بالمخاطر وحماية المستهلك. ويتمّ هذا بالتوازي مع إيجاد الوعي المناسب، حيث تمّ إنشاء وحدات امتثال لحماية المصارف. وتندرج هذه المقاربة الهادفة إلى زيادة الشفافية وتعزيز الإدارة الحكيمة ضمن الأهداف الرئيسية لسياسة مصرف لبنان، الذي أنشأ لهذه الغاية وحدة الإدارة الرشيدة ووحدة حماية المستهلك.

– الالتزام بمعايير مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. لقد حرص مصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصة لديه على التزام القطاع المصرفي القواعد الدولية لمكافحة تبييض الأموال، وتطبيق العقوبات التي أقرّت في الأمم المتحدة أو في الجامعة العربية أو إفرادياً في دول تجمعنا وإياها التعاملات المصرفية والمالية. وقد أتى ذلك عن طريق سنّ القوانين الضرورية وإصدار الأنظمة التطبيقية والتعاميم ذات الصلة. ويأتي هذا كله في إطار مواكبة لبنان للأنظمة العالمية الحديثة وتطوير بيئته الاقتصادية، استقطاباً للاستثمارات لاسيما الخارجية منها. وقد جاء الإقرار الأخير في مجلس النواب للقوانين المتعلقة بحركة الأموال عبر الحدود ومكافحة التهرب الضريبي والتعديلات على قانون مكافحة تبييض الأموال ليحصّن العمل المصرفي ويبقي لبنان على الخارطة المالية العالمية. هذا بالإضافة إلى تأكيد مجموعة غافي المعنية بمكافحة تبييض الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب أن لبنان يستوفي كل الشروط المطلوبة من حيث القانون ومن حيث الممارسة لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

– المشاركة في تطوير الأسواق المالية وأسواق رأس المال، حيث يترأس حاكم مصرف لبنان مجلس إدارة هيئة الأسواق المالية وفقا لقانون الأسواق المالية.

– التوسّع والتعمّق في تطبيق الرقابة والسلطة التنظيمية على المؤسسات المالية ومؤسسات الوساطة والصرافة وصناديق الائتمان، للتأكّد من أنّها تعمل وفقا للمعايير الموضوعة من قبل مصرف لبنان وتراعي مصالح زبائنها وتحترم قواعد مكافحة تبييض الأموال.

– إنشاء وحدة الامتثال لمراقبة امتثال مصرف لبنان والمصارف والمؤسسات المالية للقوانين والأنظمة، لا سيما تلك المرعية الإجراء في الخارج، وخاصة تلك المتعلقة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

ثالثاً، تحصين الأمن الاجتماعي – الاقتصادي -البيئي من خلال البرامج التحفيزية للمصارف

اتّجهت سياسة مصرف لبنان خلال العقدين الماضيين نحو تأمين المناخ المناسب لإطلاق آليات تحصين الأمن الاجتماعي – الاقتصادي عبر صياغة البرامج التحفيزية للمصارف بهدف توفير التمويل للحاجات الاجتماعية – المعيشية للمواطن اللبناني من جهة، وتمويل المكوّنات الاقتصادية للقطاع الخاص وإعادة تكوين الطبقة الوسطى من جهة ثانية، وتشجيع المشاريع الصديقة للبيئة من جهة ثالثة. في هذا المجال، أطلق مصرف لبنان العديد من المبادرات والتحفيزات المصرفية في مجال التسليف إلى القطاع الخاص، الذي يعتبر بمثابة المحرك الأساسي في عملية تحفيز الاستثمار والمبادرة بمشاريع جديدة وخلق فرص العمل الأكثر تخصصاً وكفاءة.

انسجاماً مع هذا التوجه، لجأ مصرف لبنان خلال السنوات الماضية إلى تقديم التحفيزات المتنوعة للمصارف من اجل الانخراط في برامج تسليفية تجاه القطاع الخاص والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بغية الاستثمار في القطاعات الإنتاجية والسكنية والبيئية والتعليمية، وتحفيز النمو عن طريق تحريك الطلب الداخلي، وتأمين مزيدٍ من فرص العمل، وذلك بفوائد مقبولة عن طريق إعفاء المصارف من جزءٍ من احتياطها الإلزامي وتوفير قروضٍ لها بفوائد متدنّية. وقد بلغ مجموع قيم الرزم التحفيزية منذ إطلاقها العام 2013، ما يوازي ال 5 مليارات دولار. ونظراً لاستمرار الصعوبات السياسية والاقتصادية وانعكاساتها السلبية على النمو الذي يتوقّع أن يقارب الصفر بالمئة هذا العام، اتخذ المجلس المركزي قراراً بإطلاق رزمة تحفيزات جديدة للعام 2016 تبلغ المليار دولار.

آثار البرامج التحفيزية على الأمن الاجتماعي

بالنسبة إلى بعض الآثار الإيجابية للبرامج التحفيزية على الأمن الاجتماعي، أدّى توفير القروض الميسرة للقطاعات الإنمائية والسكنية والتعليمية إلى تعزيز فرص التعليم لأكثر من عشرة آلاف طالب عن طريق توفير قروضٍ تعليمية بفائدة لا تتجاوز ثلاثة في المئة، فضلا عن المساهمة في تأمين الاستقرار الاجتماعي والعيش الكريم عن طريق توفير المسكن لأكثر من مئة ألف عائلة.

آثار البرامج التحفيزية على الأمن الاقتصادي

في ظلّ عدم الاستقرار السياسي والأمني وضعف الطلب الخارجي على الاقتصاد اللبناني، تهدف البرامج التحفيزية إلى إعادة تكوين الطبقة الوسطى وتحسين مستوى المعيشة لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين. فقد أفضت هذه التحفيزات إلى آثارٍ إيجابية على صعيد الطلب الداخلي، إذ تبين أن 50 في المئة من النمو المحقّق خلال الأعوام 2013 و2014 و2015 يعود إلى آثار هذه الرزم التحفيزية. كذلك ساهم تطوّر القطاع المصرفي وانتشاره واستغلاله للتحفيزات في تعزيز الشمول المالي للمجتمع اللبناني، الذي يبلغ نسبة 47 في المئة مقارنةً ب 18 في المئة في الدول العربية.

وفي إطار تحصين الأمن الاقتصادي، لم يغب بُعد التنمية البشرية ومراكمة الرأسمال البشري عن رؤية مصرف لبنان ومشاريعه، باتجاه إطلاق نهضة تنموية ونقل الاقتصاد إلى اقتصادٍ إنتاجي مبني على المعرفة، خاصة أن إحدى أهم ميزات لبنان التفاضلية هي موارده البشرية وطاقاته العلمية. لذلك قام مصرف لبنان بإطلاق مبادرتين تقضيان بإنشاء مخيمات تحفيزية (boot camps) لتشجيع الطلاب أصحاب الأفكار الخلاقة بغية تطويرها إلى مشاريع عملية. هذا بالإضافة إلى فرص التدريب التي يتيحها مصرف لبنان للطلاب الجامعيين، والمنشورات التي يصدرها لنشر الثقافة المالية (Financial Literacy) في أوساط المواطنين، والأوراق البحثية وورش العمل المنشورة على الصفحة الإلكترونية لمصرف لبنان.

كذلك بادر مصرف لبنان إلى تأمين موارد الرسملة لقطاع اقتصاد المعرفة والشركات الناشئة، بابتكار هندسة مالية تضع بتصرّف هذا القطاع نحو 600 مليون دولار بهدف دعم جهود الابتكار والإبداع في أوساط الشباب بشكلٍ خاص وبمساهمةٍ من المصارف. وقد تمّ توظيف أكثر من 250 مليون دولار في هذا القطاع حتى الآن، والذي يُعتبر قطاعاً واعداً للبنان، كما القطاع المالي وقطاع النفط والغاز. ويهدف التعميم الى تحفيز آليات تأسيس شركات جديدة في لبنان، والتي قد تتحوّل في المستقبل الى شركات مساهمة قابلة لإغناء الاقتصاد الوطني وتوفير فرص عمل جديدة وتعزيز عمل السوق المالية.

آثار البرامج التحفيزية على الأمن البيئي

وفي الشأن البيئي، شكلت حوافز مصرف لبنان فرصة لإطلاق المشاريع التي تحافظ على بيئة قليلة التلوث والمخاطر، فضلا عن مشاريع الطاقة البديلة. فهذه المشاريع لا تقتصر إيجابياتها على صحة المواطنين فحسب بل لها منفعة اقتصادية في تأمين وفرٍ في كلفة الطاقة على ميزانية الأسر والمؤسسات والدولة. وقد تجاوز مجموع القروض البيئية من خلال الآلية الوطنية لتمويل مشاريع كفاءة الطاقة والطاقات المتجددة والأبنية الخضراء (NEEREA) 260 مليون دولار.

كذلك دأب مصرف لبنان على حث المصارف على احترام المعايير البيئية الدولية لدى قيامها بدراسة وتقييم المشاريع المعروضة عليها للتمويل. ومن المبادرات البيئية التي قام بها مصرف لبنان أيضاً إنشاء السطح الأخضر في مركزه الرئيسي في بيروت، وهو مشروع ريادي في لبنان والمنطقة، ويؤمل أن تعتمده المؤسسات في القطاعين العام والخاص، باعتبار أن استحداث الحدائق في المدن بات أمراً في غاية الصعوبة.

إن الإنصاف يحدو بأي مراقب أن يُنسب للسياسة النقدية التي ينتهجها مصرف لبنان بقيادة حاكمه إنجاز أكثر من مجرّد إرساء الاستقرار النقدي والمالي، على أهميّتهما. فمصرف لبنان أصبح مشبعاً بإرث تحدي الأزمات والصعاب والقيود، بما يمتلكه من ثقافة الالتزام بالكفاءة والرؤية والحوكمة المؤسساتية. وهاتان الصفتان، التحدي والالتزام، هما ما يحتاجه لبنان المعاصر ويجتمع حوله كل أبنائه، من أجل النهوض من براثن الركود وإطلاق العنان لطاقاته الكامنة والوثوب نحو آفاق المستقبل.