اميل خوري

إذا كان كل ما تعرّض ويتعرض له لبنان لم يحرّك ضمائر النواب المستمرين في مقاطعة جلسات انتخاب رئيس للجمهورية، لا لشيء سوى أن إيران لم تقل كلمتها بعد وتلهي حلفاءها في لبنان بمطالبة «تيار المستقبل» بتأييد ترشيح العماد ميشال عون والا كان هو المسؤول عن استمرار الشغور الرئاسي، وهي تعلم أنها تطلب المستحيل كي تبرر استمرار أزمة الانتخابات الرئاسية، ليصبح من حق «تيار المستقبل» أن يسأل لماذا لا يطلب «حزب الله» من أي حليف له تأييد ترشيح النائب سليمان فرنجية وهو مثل عون من خطه السياسي، أو لماذا يختار الرئيس سعد الحريري فرنجية، كما تساءل نائب عوني، ولا يختار عون ما داما من خط واحد، فلأن فرنجية يلتزم تعهداته في حين أن عون لا يلتزمها.

ويتساءل المطالبون بانتخاب رئيس للجمهورية كيف يمكن حماية البيت اللبناني من المخربين والتكفيريين والارهابيين وهو بلا سقف ولا أبواب ولا نوافذ؟ أليس لأن إيران تريده هكذا ليدخل اليه من يشاء ويبقى مفتوحاً لكل داخل وخارج ولا حماية له… وتبقى أزمة الانتخابات الرئاسية مفتوحة على كل الاحتمالات الى أن تحل الأزمة السورية على النحو الذي تريد حتى وإن واجه لبنان وهو في مرحلة الانتظار المقلق خطر الانهيار الاقتصادي ومواجهة المشكلات الأمنية والمالية والاجتماعية مع تفاقم مشكلات اللاجئين السوريين اليه؟ فانتخاب رئيس للبنان بسرعة يقطع الطريق على كل هذه المشكلات لأن الرئيس هو رئيس كل السلطات، وهو رمز وحدة الوطن والساهر على احترام الدستور والمحافظ على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه، رئيس يجمع تحصيناً للوحدة الوطنية التي يشعر الجميع بالحاجة اليها لمواجهة الارهاب، وهو ما لا يستطيعه لبنان بلا رئيس وتحكمه رؤوس جعلت عمل الحكومة وعمل مجلس النواب مشلولاً.

إن تفجيرات القاع وقبلها مناطق أخرى اسقطت مقولة أن تدخل «حزب الله» عسكرياً في سوريا هو لمنع امتداد الحرب الى لبنان ويقضي على الارهابيين وهم في أمكنتهم وقبل أن ينتقلوا إليه ليتجولوا في مدنه وقراه. لكن هذا التدخل في سوريا أسقط هذه المقولة ومعها تبريرات ايجابياته، فلو أن لبنان وقف جيشاً وشعباً عند حدوده لحمايتها بوحدته الوطنية وبالالتفاف حول الجيش والقوى الامنية، ربما لما كان يتعرض لهجمات ارهابيين يدعون أنهم يردّون على الفعل بالمثل.

لقد آن أوان ان يقول القادة أي لبنان يريدون اذا لم يتفقوا على أي رئيس يريدون. هل يريدون لبنان دولة مواجهة وتصد أم دولة صمود؟ وهل يريدونه دولة منحازة الى هذا المحور أو ذاك في صراع على النفوذ والمصالح، أم يريدونه على الحياد وخارج هذا الصراع ولا يكون له عدو سوى اسرائيل الى ان تقبل بسلام عادل وشامل في المنطقة؟ وهل أن لبنان قرر أن يكون دولة منحازة فلمن ينحاز في الحرب السورية؟ هل ينحاز الى النظام السوري أم الى الثائرين عليه، واللبنانيون وقادتهم منقسمون انقساماً حاداً حول ذلك؟

ثمة من يقول ما نفع اتفاق القادة في لبنان على أي أمر وفيهم من يسمع كلمة الخارج فيتراجعون عما اتفقوا عليه. ألم يوافق «حزب الله» على «إعلان بعبدا» ثم تنكّر له؟ ألم يوافق على قرارات هيئة الحوار ولم يلتزم تنفيذها؟ ألم يوافق على سياسة «النأي بالنفس» في حكومة سميت حكومة الحزب ونالت ثقة مجلس النواب على أساس هذه السياسة، وإذ به يخالفها ويقرر الدخول في الحرب السورية من دون ان يعطي علماً لا للحكومة التي هو شريك أساسي فيها، ولا للجيش ولا للشعب وهما يشكلان معه المعادلة الثلاثية «الذهبية» وهي معادلة لم يحترمها؟ ثم ما همّ «حزب الله» وهو الدولة التي تمولها وتسلحها ايران اذا اصبح لبنان بلا دولة وبلا مال! وما نفع الحوار مع الحزب اذا كان لا يتخذ قراراً من دون أن يعود الى ايران، واذا اتخذه فللمسايرة فقط اذا لم تكن ايران مع هذا القرار؟

لذلك فاذا كان لا بد من حوار فليكن مباشرة مع الاصيل، اي ايران، وليس مع الوكيل، اي «حزب الله»، ولبنان ليس عنده ما يعطيه لإيران ليكون الحوار معها مجدياً، انما على اشقاء لبنان واصدقائه الذين هم على علاقة جيدة مع ايران ان يفعلوا ما لا يستطيع لبنان وحده فعله مع ايران ضماناً لاستقراره السياسي والامني والاقتصادي، والا ظلت ازمة الانتخابات الرئاسية فيه تدور في حلقة مفرغة ليبقى سيف الفراغ الشامل مصلتاً فوق رأسه، وتظل ايران تقول «اذهبوا الى حزب الله» وهي مع ما يقرره… و»حزب الله» يقول: «اذهبوا عند العماد عون» وهو مع ما يقرره… وعون ينتظر تأييد الرئيس الحريري وإلا كان مسؤولاً عن استمرار الشغور الرئاسي، والرئيس الحريري يقول إن مرشحه هو فرنجية ومن لا يؤيده يكون هو المسؤول عن استمرار الشغور الرئاسي. وهكذا يصاب اللبنانيون بالدوار من شدة الدوران في الحلقة المفرغة ومن حوار تحيّرهم نتائجه.

وفي انتظار الاتفاق على رئيس للجمهورية وعلى قانون جديد للانتخابات يكون «حزب الله» قد نجح في جعل لبنان جزءاً من حروب المنطقة، ولا سيما الحرب السورية، وأدخله في لعبة الأمم التي ترسم خرائط جديدة للمنطقة يتقاسمها الكبار على حساب مصالح الصغار.