اميل خوري

يمكن القول إن إيران ومن معها في الداخل اللبناني وفي الخارج، ربحت حتى الآن معركة تعطيل نصاب جلسات الانتخابات الرئاسيّة بعدما أشغلت القادة في لبنان بمعركة اختيار المرشّحين للرئاسة وإثارة الخلاف في ما بينهم. وهي المرّة الأولى يتدخّل فيها الخارج لتعطيل الانتخابات الرئاسيّة، إذ كان يتدخّل لدعم هذا المرشّح للرئاسة أو ذاك فقط.

الواقع إن إيران اختارت معركة تعطيل النصاب لأنها لا تمتلك أكثرية نيابية تضمن بها فوز من تريد رئيساً للجمهورية بل تمتلك العدد الكافي من النواب للتعطيل. وقد بدأت برسم خريطة تنفيذه بعد موافقة هيئة مكتب المجلس على وجوب حضور ثلثي عدد النواب جلسات انتخاب رئيس للجمهورية من دون أن تتطرّق في المقابل الى موضوع الزامية حضور النواب جلسة انتخاب الرئيس، فصار عندئذ من السهل تعطيل نصاب الثلثين في كل جلسة وبالتالي عدم انتخاب رئيس.

وعوض ان تخوض القوى السياسية الأساسية في البلاد معركة تأمين النصاب التي فتحتها إيران ونجحت فيها حتى الآن، إذا بها تخوض معركة الانتخابات الرئاسية ولا انتخابات، لأنه تعذّر عليها الاتفاق على مرشّح حتى الآن في البحث عن هذا المرشح، غير معيرة أهمية لأصل العلّة وهي تعطيل نصاب كل جلسة ليستمر الشغور الرئاسي إلى أجل غير معروف، وباستمراره تبقى أبواب الفراغ الشامل مفتوحة على كل الاحتمالات، في حين كان عليها أن تعالج أسباب التعطيل وليس نتائجه.

المطلوب إذاً من القوى السياسية الأساسية في البلاد مواجهة إيران في معركة تعطيل النصاب فتعمل على تأمينه كي يصير في الامكان الانتقال الى البحث في انتخاب رئيس للجمهورية وفق الآلية التي نص عليها الدستور، وهي لا تحتاج الى البحث عن آلية أخرى تكون عرفاً أو اجتهاداً.

والسؤال المطروح هو: ماذا فعلت القوى السياسية الأساسية في البلاد منذ بدء الشغور الرئاسي لمنع إيران من الاستمرار في لعبة تعطيل النصاب وابقائها سيفاً مصلتاً فوق رأس لبنان يهدّده بالفراغ الشامل إذا لم تقبض إيران الثمن الذي تريد ولا تجد من يدفعه لها حتى الآن؟ إن على هذه القوى، ولا سيما على الأقطاب المسيحيّين، الانتقال من معركة الانتخابات الرئاسيّة التي يختلفون حولها الى معركة تأمين النصاب لأن من دون تأمينه لن تكون انتخابات ولن يكون رئيس. فكما اتفقت هيئة مكتب المجلس على أن ينتخب رئيس الجمهورية بحضور ثلثي عدد النواب، فإن على هذه الهيئة أن تتفق على أن يكون حضور النائب إلزامياً في انتخابات الرئاسة الأولى وفي انتخابات الرئاسة الثانية وفي الاستشارات الرئاسيّة لتسمية رئيس الحكومة المكلّف، وإلاّ واجه لبنان في كل استحقاق أزمة تعطيل يستطيع أي خارج لغاية في النفس افتعالها خصوصاً عندما يكون له داخل لبنان من يخضع لأمر هذا الخارج. وعوض أن تتلهّى المراجع السياسية والدينية بتكرار الدعوة الى انتخاب رئيس للجمهورية ولا مَن يسمع لأن تأمين النصاب بات مرتبطاً بالاتفاق المسبق على اسم الرئيس، فلتكن دعوة هذه المراجع للنواب كي ينزلوا الى المجلس لانتخاب من تريده الأكثرية المطلوبة رئيساً.

ذلك أن تأمين النصاب بات هو المشكلة وليس انتخاب الرئيس، إذ لا انتخاب من دون نصاب. فإذا لم يلبِّ النواب الدعوة للنزول الى المجلس لانتخاب رئيس خدمة لخارج أو لمصلحة ذاتية، فلا بد عندئذ من حسم الخلاف حول وجوب حضور النواب جلسات الانتخاب تفادياً لتعريض البلاد لخطر الفراغ عند كل استحقاق وذلك باللجوء الى أحد الحلول الآتية:

أولاً: الطلب من هيئة مكتب مجلس النواب حسم الخلاف حول الزامية حضور النائب كما حسمت الخلاف حول وجوب حضور الثلثين جلسة انتخاب الرئيس.

ثانياً: طرح اقتراح الوزير بطرس حرب على الهيئة العامة للمجلس حول الزامية حضور النائب ولا يظل نائماً في الأدراج خدمة لخارج أو لمن له مصلحة في استمرار الشغور الرئاسي.

ثالثاً: طلب الرأي من المجلس الدستوري أو من مجلس شورى الدولة أو من هيئة القضايا والتشريع أو من مجموعة رجال قانون تفسيراً للمواد الدستورية المتعلقة بانتخاب رئيس للجمهورية، وهل تلزم حضور النائب جلسات الانتخاب أم لا مع أن أكثر من مرجع قانوني اعتبر أن حضور النائب جلسة انتخاب الرئيس واجب عليه وحقه هو في انتخاب من يشاء فقط.

إن مصلحة الوطن باتت تقضي بحسم الخلاف حول إلزامية حضور النائب، إذ من دون حسمه سيظل لبنان معرضاً لأزمات عند كل استحقاق يستغلها أي خارج.