تحتاج الملفات الجدّية التي يستلزم حسمها في خلوات الحوار، أي السلّة المتكاملة، لا إلى ثلاثة أيام، بل ثلاثة أشهر أو ثلاث سنوات. وستقتصر إنتاجية الحوار الموعود على بضعة ملفات على هامش الأزمة. وفي اعتقاد كثيرين أن لبنان يعيش اليوم عطلة سياسية تستمر حتى نهاية الصيف، في ظل غياب أي أفق لتسوية داخلية أو إقليمية. ومع نهايات العام الجاري، يبدأ التحضير للانتخابات النيابية… إذا كان كل شيء جاهزاً لإجرائها بحيث لا تتكرر مهزلة التمديد.
وفي تقدير أوساط حزبية مطلعة، وفي ظل انهماك القوى السياسية بالانتخابات النيابية، سيكون مستحيلاً على العديد من هذه القوى الالتفات الى الاستحقاق الرئاسي، أو السعي الى تسوية في هذا الملف، خصوصاً ان السقوف السياسية تكون مرتفعة في الاستحقاق النيابي. وبذلك تبقى الحال على هذا المنوال حتى موعد الانتخابات.
وتنقل الأوساط عن قطب بارز قوله: ستذهب السكرة وتأتي الفكرة بعد الانتخابات النيابية في الربيع المقبل. وسيضطر النواب المنتخبون حديثاً إلى القيام بواجبهم وانتخاب رئيس للمجلس النيابي، من دون ان ينتخبوا رئيساً للجمهورية، فيما تكون الحكومة قد اصبحت مستقيلة بحكم الدستور، وتحولت حكومة تصريف أعمال. وسيكون الأخطر من ذلك العجز عن تشكيل حكومة جديدة، لأن ذلك يتطلب وفق أحكام الدستور إجراء استشارات نيابية ملزمة يجريها رئيس الجمهورية الغائب.
إذاً، لمواجهة هذا السيناريو الأشد سوءاً من الوضع الحالي، لا مناص من توافق الأطراف على انتخاب رئيس للجمهورية، مقروناً بتوافق حول ملفات أخرى. وهذا الاتفاق يحتاج الى إرادة سياسية قادرة على احتساب الخسائر. فهل سيكون التوافق ممكناً أم إن هناك من يفكر في الذهاب إلى مغامرة الخراب السياسي والدستوري التي تستدعي الانتقال إلى المؤتمر التأسيسي؟الواضح أن العطل الأساسي هو اليوم شغور موقع الرئاسة الأولى، وأن انتخاب رئيس جديد سيفتح الباب لإنهاء المآزق الأخرى. وذلك، لا بدّ من طرح السؤال الآتي: هل يمكن لبعض القوى، ولا سيما المسيحية المعنية خصوصاً بموقع الرئاسة، أن تجعل من مناسبة الحوار فرصة مؤكدة لانتخاب رئيس للجمهورية، أم تواصل دفن الرؤوس في الرمال؟ يقول بعض المتابعين إن المدخل إلى تحقيق إنجاز في ملف الرئاسة خلال الحوار هو اقتناع العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجيه بأنهما ليسا مرشحين حقيقيين لرئاسة الجمهورية، وبأن كل القوى التي سمَّتهما – من دون استثناء – فعلت ذلك من باب التكتيك السياسي، وأن بعضها لا يريد من هذه التسمية سوى تعطيل الانتخابات.
فعندما أعلن حزب الله دعم عون، ومعه مسيحيو 8 آذار، كان يدرك أن وصوله مستحيل بسبب رفض 14 آذار. وعندما بدأ الرئيس سعد الحريري يراجع حساباته – تكتيكياً على الأرجح – في ملف الرئاسة، عمد فرنجيه إلى سحب دعمه لعون وتشبَّث بترشيح نفسه.
وعندما أعلنت القوات اللبنانية – تكتيكياً على الأرجح – دعمها عون، بدأت تلوح انشقاقات- تكتيكية أيضاً – في داخل المستقبل، ضد ترشيح عون. وهكذا، بقي مستحيلاً انتخاب أحد الرجلين، وهذا هو المطلوب لدى البعض. كما بقي مستحيلاً انتخاب رئيس للجمهورية، وهذا هو المطلوب لدى البعض الآخر.
في العمق، الجميع، من حزب الله إلى الرئيس نبيه بري إلى المستقبل وسواهم لا يريدون عون رئيساً. وليس مضموناً أن فرنجيه يحظى أيضاً بدعم المستقبل والقوى العربية الداعمة له… إلا إذا كانت هذه القوى قد اقتنعت بتسليم الرئاسة في لبنان إلى الحليف الأشدّ حميمية للرئيس بشّار الأسد. فليس وارداً على الإطلاق خروج فرنجيه من هذا التموضع، خصوصاً أن الأسد باقٍ على سوريا أو غالبيتها حتى إشعار آخر.
إذاً، القطبان المارونيان المرشحان للرئاسة، من 14 آذار، الرئيس أمين الجميل والدكتور سمير جعجع، يبدوان اليوم وكأنهما خارج المعركة. الأول بعدم حصول دعم له والثاني بانسحابه لعون. وهذا صحيح. لكن المؤكد أن المرشحين الآخرين، عون وفرنجيه، هما أيضاً خارج المعركة واقعياً. وحظوظ الأقطاب المسيحيين الأربعة متساوية… عند نقطة الصفر!
في المطلق، ربما يكون فرنجيه هو الأوفر حظاً لدى حزب الله لأنه جزء أصيل من الحلف الإيراني، لكن إيصاله يقتضي أن يقتنع هذا الحلف بأن التوقيت قد حان لإنهاء الفراغ الرئاسي، وهذا الأمر لا يبدو وارداً قبل تبلور الصفقات الإقليمية التي يجري التحضير لها في سوريا والعراق، والتي يراد للبنان أن يكون فيها جزءاً من المقايضة.
يبدو ترشيح حزب الله للعماد عون شبيهاً بشيك قيمته مليار دولار، لكنه بلا رصيد، وسيبقى بلا رصيد. وكذلك كان دعم 14 آذار للقطبين المارونيين في هذا الفريق. وأما بالنسبة إلى فرنجيه، فقد يقرِّر حزب الله أن يدفع الحساب اللازم في البنك ليصبح الشيك قابلاً للصرف، إذا جاءت اللحظة المناسبة.
مَن يوقظ زعماء الموارنة؟
وحتى ذلك الوقت، لا خلوات الحوار ستنجب رئيساً ولا المساومات الجانبية التي تحطّ من قيمة زعماء الموارنة ومن قيمة موقع الرئاسة، لأنها تجعلهم حجر شطرنج يجري تحريكه في عالم الوهم، وفي أيدي بيّاعي الوهم. فهل هذا العجز الماروني هو مسألة قدَرية أم يمكن تغييره وكسر السحر؟
ربما تكون القدَرية هي تحديداً وجود أقطاب موارنة لا تسمح لهم طموحاتهم الفضفاضة برؤية الوقائع على حقيقتها، وتدفعهم إلى الغرق في البحث عن السلطة والنفوذ في أيِّ مكان ولدى أيٍّ كان. وهذا ما يجعلهم ويجعل الرئاسة والمواقع المسيحية رهينة المصالح الصغرى والكبرى.
وعلى رغم الإهانة التي يتعرض لها الموقع الوطني الأول والمسيحي الأول، فإن المرشحين الموارنة لا يريدون تقديم أية تضحية شخصية بالتنازل والذهاب إلى اجتماع مسيحي عام، تتمثل فيه كل القوى والفاعليات، وينتهي بتسمية مرشح واحدٍ يتمتع بالكفاية السياسية والأخلاقية، ويحظى باحترام كل الفئات اللبنانية بحيث لا يتجّرأ أحد على مقاطعة جلسة انتخابه. ولكن، مَن يوقظ الزعماء الموارنة ويقنع عون وفرنجيه بالانسحاب كمدخل للمعالجة؟
المثير أن هؤلاء الأقطاب لا يكفّون عن التباكي على الدور المسيحي المهدور، ويتّهمون الآخرين بسلب الحقوق، ولا يريدون البحث عن سبيل واقعي لتصحيح الخلل الوطني. وإذا استمرّ هؤلاء على هذا المنوال – وهذا يبدو محسوماً – فإنهم سيستسلمون للمتعة برتبة المرشح الوهمي الدائم لرئاسة ماتت تقريباً وبسبب تصارعهم على المصالح، ولجمهورية لم تعد قائمة إلا في أوهامهم!
قانون الانتخاب
في قانون الانتخاب، ورغم الحديث عن امكان تقريب المسافات بين الاقتراح المختلط المقترح من تيار المستقبل والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وبين اقتراح الرئيس نبيه بري، لم يسجل أي تقدم ملموس في هذا الملف، حتى ان اللجان النيابية المشتركة القادرة على ترجمة هذه النية تجنبت الغوص في مخرج لهذه العقدة وأحالت الملف الى طاولة الحوار العتيدة. ودعيت اللجان النيابية المشتركة الى جلسة جديدة لمتابعة درس اقتراح القانون الرامي الى تعديل قانون الانتخاب باعتماد صيغة النظام المختلط بين الاكثري والنسبي، جرى تحديد موعدها قبل خمسة أيام من موعد الحوار المرتقب.
وأكدت مصادر اللجان أن مهمتها باتت عملية إلهاء وتقطيع وقت وصولاً الى امر واقع محتم يؤدي الى الموافقة على اعتماد قانون الستين لاجراء الاستحقاق النيابي على اساسه، وذلك في جلسة تشريعية يعقدها المجلس النيابي في العقد العادي في تشرين المقبل بعد التجديد لمطبخه الداخلي، أي هيئة مكتب المجلس واللجان النيابية، كخيار أخير في حال عدم خروج أي اقتراح او مشروع من ال 17 الموجودة في أدراج المجلس الى العلن عبر التصويت، ما يجعل العودة الى قانون الستين وطرحه على التصويت مجددا للموافقة عليه وتجاوز مقولة مرة واحدة التي ينص عليها، أمراً واقعاً. وكان رئيس مجلس النواب نبيه بري أعلن أنه قد يقطع يده ولا يصدِّق على قانون التمديد. وبالتالي فإن إجراء الاستحقاق النيابي على أساس هذا القانون الذي يحظى بموافقة الغالبية النيابية وخصوصاً الكتل الكبيرة سيكون أهون الشرّين.
مفاجأة لدى بري؟
إذاً، لا آمال معقودة على الحوار لإنجاز السلة. فلماذا إذاً دعا الرئيس بري إلى خلوات الحوار الثلاثية؟
ثمة من يعتقد أن بري ربما يحضر لمفاجأة سياسية تتيح إنجاز سلته المتكاملة، وفق آلية تبدأ بتليين مواقف العديد من الأطراف ووضعهم في أجواء المخاطر الناجمة عن الفشل. ويحاول بري الحفاظ على أجواء التكتم حول جدول أعمال الحوار. ويرى البعض أن في إمكان بري حشر المتحاورين ووضعهم أمام مسؤولياتهم عن وصول البلاد إلى الكارثة.  ووفق بعض المصادر، في إمكان بري أن يفاجئ المتحاورين بدعوة مجلس النواب الى انتخاب رئيس للجمهورية على الفور، ضمن آلية مُحكمة تتضمن حلّ المجلس واجراء انتخابات وفق اي قانون يتم الاتفاق عليه، وتستمر الحكومة التي تصبح مستقيلة في تصريف الاعمال ريثما يستكمل المجلس النيابي الجديد آلية عمله، ويبدأ الرئيس الجديد مشاوراته لتشكيل الحكومة. لكن هذا السيناريو لا يزال مجرد احتمال.
وأوضح المستشار السياسي لبري، وزير المال علي الخليل، إن رئيس المجلس دعا إلى حوار مفتوح مطلع الشهر المقبل، وهو حوار نريد له ان يصل الى نتائج تنفتح معه آفاق تسوية سياسية في هذا البلد، وإلى تسوية لا تكسر احداً ولا تلغي احداً، بل تحاول الجمع بين الاختلافات والتناقضات للخروج بتسويات على صعيد قانون جديد للانتخابات وعلى صعيد رسم صورة المرحلة المقبلة ومستقبلها، والتي لم يعد فيها مساحة او مجال للترف السياسي ولتضييع الوقت الذي يقتل مؤسساتنا ويهدمها، ويؤدي الى شلل يطال حياة الناس ومستقبلهم.
السنيورة ممثلاً المستقبل
وأكدت مصادر قريبة من الرئيس سعد الحريري أنّه كلّف الرئيس فؤاد السنيورة بتمثيل تيار المستقبل على الطاولة ولم يطرأ ما يؤدي الى ايّ تعديل في التمثيل في كل أشكال الحوار، سواء الثنائي مع حزب الله ومن يمثّله فيه، او الموسّع في ضيافة الرئيس نبيه بري، وانّ الرئيس السنيورة رئيس كتلة نواب الحزب ويقوم بالمهمة التي أنيطت به خير قيام. ويرى عضو كتلة المستقبل النائب جمال الجراح صعوبة في إقرار السلة المتكاملة، وتحدث عن إيجابيات في قانون الانتخاب، مشيراً إلى أن القانون المختلط هو المرجح والأقرب الى الاتفاق. واكد أن ملف رئاسة الجمهورية هو ملف اقليمي، وأن هناك دولاً معطلة لهذا الاستحقاق، وأن هناك ربطاً لرئاسة الجمهورية بالوضع الاقليمي واعتبارها ورقة تفاوض بيد ايران. ولذلك، لا خرق في ملف الرئاسة قريباً.
14 آذار والمؤتمر التأسيسي
لكن مصادر في 14 آذار تخشى أن يكون ما سيجري في آب/أغسطس من جلسات متتالية للحوار استدراجاً غير معلن نحو المؤتمر التأسيسي، حيث الغلبة لسياسة الاستنساب بعيداً عن التوافق. وقالت: ما الاتفاق النفطي الثنائي بين عين التينة والرابية الا صورة إضافية لمنطق تجاوز المؤسسات الدستورية والمواقع الرسمية في الدولة السائد، في زمن محاولات ترويض مؤسسات الدولة عبر منطق الفوقية وسلطة الأمر الواقع والاستقواء بالخارج، وان أية محاولة من هذا النوع في الخلوة الحوارية او خارجها ستبوء بالفشل.
وجزمت المصادر بأن المؤشرات لا توحي بإمكان إنجاز أي تقدّم في سلسلة الملفات التي تشكل عمق الأزمة اللبنانية، حيث الشلل يتمدّد والفراغ يزحف من مؤسسة الى أخرى، فيما سلة رئيس المجلس المطروحة على طاولة الحوار تبدو صعبة الإنجاز، فيما يجري ربط مصير لبنان بمسار الأزمات في المنطقة.
وفي انتظار الحوار اللبناني مطلع آب/أغسطس، يبدو العالم منشغلاً عن أمور لبنان ومقطوع الأنفاس نتيجة العمليات الإرهابية التي تضرب دول العالم. كما أن الانتخابات الرئاسية الاميركية باتت هاجساً يشغل الجميع، وأمامها بات الرئيس اللبناني المنتظر في بعبدا مسألة هامشية جداً. والمطلوب هو انتظار ما ستقوله صناديق الاقتراع الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
لكن النائب وليد جنبلاط، المعروف ب قفشاته يضحك حين يقال أمامه لننتظر لمعرفة رأي الرئيس الاميركي العتيد في رئيس جمهورية لبنان، ويقول: يا عمي، شو معتبرين قصر بعبدا الكرملين؟.