جون منير

هل بات قانون الانتخاب أكثر أهميّة من انتخاب رئيس للجمهورية ومن تأليف حكومة، حتى إذا استمر الخلاف حوله عاد خطر الفراغ يهدّد لبنان؟
لقد أمكن الخروج من أزمة الشغور الرئاسي التي دامت سنتين ونصف سنة بانتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، والخروج من أزمة تأليف حكومة وفاق وطني واسعة برئاسة سعد الحريري بسرعة قياسية، فكيف يمكن الخروج من أزمة إجراء انتخابات نيابية إذا ما استمر الخلاف على القانون، وهل مهلة الشهر كافية لحسم خلاف لم تكن سنوات عديدة كافية لذلك؟ لقد تبدّلت قوانين الانتخاب منذ الاستقلال الى اليوم أكثر من ثماني مرّات، وتغيّر تقسيم الدوائر الانتخابية أكثر من مرّة ولم يحقّق أي منها التمثيل الصحيح لشتّى فئات الشعب وأجياله ولا للناخب حرية الاقتراع مراعاة لزعامات تريد معرفة نتائج الانتخابات قبل الاقتراع… والخلاف على قانون الانتخاب هو جزء من الصراع على السلطة في لبنان، ولا شيء ينهي هذا الخلاف سوى إلغاء الطائفية السياسية واعتماد اللامركزية الادارية الواسعة، وإلّا ظل الخلاف قائماً حول كل قانون للانتخاب لأنه مطلوب تفصيله على قياس السلطة أو على قياس الموالين لها، في حين مطلوب تفصيله على قياس الوطن والمواطن، وهذا يصعب تحقيقه في ظل الطائفية التي تجعل النائب يمثّل طائفته ومذهبه ولا يمثّل الأمّة جمعاء كما نص الدستور.
لذلك مطلوب الاتفاق على قانون يصلح لكل انتخاب نيابي ولا يتغيّر مع كل انتخاب ومع كل عهد وحكومة، وهو ما يجعل التوصّل إليه صعباً لأن كل حزب يريد أن تكون له حصّته في هذا القانون ليعرف عدد المقاعد النيابية التي سيفوز بها وليكون لها تأثيرها عند طرح الثقة بالحكومة وعند طرح أي مشروع مهم على التصويت، لا بل أن يكون لعدد نوابه تأثير في الانتخابات الرئاسيّة وفي تأليف الحكومات. فهل تكون العودة إلى اتفاق على قانون موقت يُعتمد في الانتخابات النيابية المقبلة ولمرّة واحدة هو الحل الموقت على أن تحدد ولاية مجلس النواب المنبثق منها بسنتين فقط وريثما تصبح الظروف ملائمة للاتفاق على قانون دائم لكل انتخاب ولكل عهد، أم تكون العودة الى إجراء انتخابات لمجلس الشيوخ في وقت واحد مع مجلس النواب هي الحل لأن ذلك يوفّق بين الحفاظ على حقوق الطوائف والحفاظ على الانصهار الوطني، فيكون لهذا المجلس صلاحيات، ولمجلس النواب صلاحيات تحمي هذه الحقوق وتُبدّد الهواجس، ويكون اعتماد هذا الحل مبرّراً للتمديد التقني من أجل الإعداد لانتخابات مجلس الشيوخ ومجلس النواب في وقت واحد؟
الواقع أن نتائج الانتخابات النيابية في لبنان تفقد أهميتها عندما لا يكون مطلوباً من المجلس المنبثق منها انتخاب رئيس للجمهوريّة، لكن تبقى لها أهميّتها عند تأليف الحكومات وإقرار المشاريع المُهمّة، وهي مهمة مجلس النواب العتيد الذي لا يعرف أي حزب من الأحزاب هل ستكون له فيه أكثرية بعد انفراط عقد تكتلي 8 و14 آذار، ولا يعرف أحد أي حزب سيتحالف مع حزب أو أحزاب ليضمن الفوز بالأكثرية التي تبقى لها أهميّتها، ليس في السياسة الداخليّة بل في السياسة الخارجية أيضاً ما دام صراع المحاور قائماً في المنطقة وعلى المنطقة.
لقد طالب رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل رئيس الجمهورية بأن يوجّه كتاباً إلى مجلس النواب يحضّه على إقرار قانون للانتخاب وذلك استناداً إلى المادة 53 من الدستور. وكان الرئيس حسين الحسيني قد طالب بذلك بموجب مذكرة وجهها “المركز المدني للمبادرة الوطنية” الى رئيس الجمهورية في تاريخ 10/2/2009. ويضم هذا المركز شخصيات ثقافية وسياسية واجتماعية ومهنية عديدة الميول ويجمعها هدف واحد هو بناء الدولة المدنية. وكان عميد “النهار” الراحل الكبير غسان تويني من هذه الشخصيات التي تبرز الموقف الوطني من القضايا المطروحة، من موقع مدني لا فئوي أو حزبي. فهل يوجه الرئيس عون مثل هذه الرسالة الى مجلس النواب يطلب فيها اعادة النظر في قانون الانتخاب لجهة نظام التمثيل.
والسؤال الذي يبقى مطروحاً هو: أي قانون من القوانين المطروحة والمقترحة يُخرج لبنان من أزمة إجراء انتخابات نيابية ويكون مقبولاً من الغالبيّة؟
ثمة من يقترح اعتماد أحد الحلول الآتية:
أولاً: أن تتحمّل حكومة الثلاثين الممثلة لغالبية القوى السياسية مسؤولية اتخاذ قرار في شأن القانون والدفاع عنه أمام مجلس النواب الى حد طرح الثقة إذا لزم الأمر.
ثانياً: أن تجرى انتخابات نيابية على أساس قانون موقّت، على أن تحدّد ولاية المجلس الذي سينبثق منها بسنتين فقط ريثما تكون الظروف أصبحت ملائمة اكثر للاتفاق على قانون دائم للانتخاب.
ثالثاً: أن يتم التمديد التقني لمجلس النواب ريثما يتم الإعداد لاجراء انتخابات لمجلس النواب ولمجلس الشيوخ في وقت واحد، ويكون انتخاب المجلس قد تم خارج القيد الطائفي.
رابعاً: أن تطرح على مجلس النواب كل المشاريع والاقتراحات الواردة إليه على التصويت فيفوز منها ما يحظى بأصوات الأكثرية المطلوبة.