في 31 تشرين الأول 2016 عاد العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا رئيساً للجمهورية
فهل هي الإرادة الاستثنائية أم القدر المكتوب بأن يعود الى القصر الجمهوري رئيساً بعدما أخرج منه بالقوة القاهرة بعد ست وعشرين سنة؟ «إنه إيمانه بأن الحياة لا تقوم الا على النضال والمقاومة ولا تكتب الا بالارادة والتصميم».
بين٣١ تشرين الاول ٢٠١٦ و١٣ تشرين الأول ١٩٩٠ انقلبت معادلة الأرقام والتوازنات السياسية في حياة العماد ميشال عون الذي عاد الى قصر بعبدا رئيساً للجمهورية حاملاً الرقم ١٣ في سلسلة رؤساء جمهورية لبنان بعد الاستقلال.
بدت هذه اللحظة وهو يطأ عتبة القصر الذي كان دمّر بعد خروجه منه في ١٣ تشرين، كأنها دهر من محطات مرّة يسترجعها في ذاكرته وهو يدخل رئيساً منتخباً بأصوات عابرة لاصطفافيْ ٨ و١٤ آذار، وبعد سنتين وخمسة أشهر وستة أيام على الفراغ في سدّة الرئاسة.

ما ان ارتفعت نافورة المياه حتى أطلقت المدفعية احدى وعشرين طلقة خلّبية بالتزامن مع اطلاق البواخر الراسية في مرفأ بيروت صفّاراتها ترحيباً بسيّد العهد، وإيذاناً بمرور موكبه الرئاسي بأول حاجز عسكري هو الحاجز المعروف بـ «الرقم ٦». وما ان ترجّل من سيارته حتى بدأ عزف النشيد الوطني ولحن التعظيم من ثلّة التشريفات في لواء الحرس الجمهوري. وكذلك امتلأ جناح الاعلام بما يفوق ٣٠٠ صحافي ومصوّر توزّعوا على كل قاعات الجناح يتابعون وقائع جلسة الانتخاب عبر المحطات التلفزيونية. كل الترتيبات كانت متخذة لتكون مراسم الاستقبال الرئاسي بحجم الحدث الذي جاء بعد طول انتظار.
رفع العلم اللبناني على سارية القصر ودخل الرئيس عون وسط سيوف رماحة الحرس الجمهوري، الى صالون السفراء حيث التقطت له الصور الرسمية وهو جالس على كرسي الرئاسة. كذلك التقطت له الصور مع عائلته.
لا تسليم وتسلّم في قصر بعبدا بين رئيس سلف ورئيس خلف. وقد استقبله المدير العام لرئاسة الجمهورية انطوان شقير والمديرون العامّون في الرئاسة ورئيس مكتب الاعلام رفيق شلالا وقائد لواء الحرس الجمهوري العميد وديع الغفري. وفي المكتب الرئاسي التقطت له الصور مرتديا وسام الاستحقاق اللبناني الوشاح الاكبر من الدرجة الاستثنائية ومتقلّداً القلادة الكبرى لوسام الارز الوطني.
وفي هذا المكتب الذي لم يتغيّر رغم الترميم والتأهيل، عما كان عندما دخله عون في المرة الاولى قائداً للجيش رئيساً للحكومة العسكرية، اختلطت فرحة العودة بغصة الذكريات، ووقف الجنرال العائد اليه رئيساً يستذكر محطات من تلك المرحلة الغابرة التي استمرت سنتين وعشرين يوماً.
خطاب القَسَم

وأكد رئيس الجمهورية المنتخب العماد ميشال عون «الإخلاص للأمة وللبنانيين في الخيارات المصيرية».
وشدد على ان «اول خطوة نحو الاستقرار هي في الاستقرار السياسي ولا يمكن ان تطبق الا باحترام الميثاق والدستور والقوانين، ويجب تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني من دون استنسابية».
ورأى ان «لبنان السائر بين الألغام لا يزال بمنأى عن النيران المشتعلة حوله في المنطقة، وسنمنع وصول أي شرارة إليه»، مؤكدا «التزام قرارات الجامعة العربية واتباع سياسة خارجية تنأى بنفسها عن نيران المنطقة»، داعيا الى اعتماد «خطة وطنية لمعالجة الوضع الاقتصادي».
وجاء في نص خطاب القسم الذي ألقاه عون في مجلس النواب بعيد انتخابه: «كنت قد آليت على نفسي أن أكتفي بالقسم إذا ما انتخبت رئيسًا للجمهورية، ولا سيّما أنّ يمين الإخلاص للأمّة، التي أورد الدستور نصّها الحرفي، إنّما هي التزام وجوبيّ على رئيس الجمهورية من دون سواه من رؤساء السلطات الدستورية في الدولة، وفيها كل المعاني والدلالات والالتزامات. إلّا أنّ الخلل السياسي المتمادي، والشغور المديد في سدّة الرئاسة، حملاني على أن أتوجّه من خلالكم، وبالمباشر الى الشعب اللبناني العظيم الذي كان دوماً على الموعد معي، والحصن المنيع الذي ألجأ اليه في التعهدات الكبرى والخيارات المصيرية.
إنّ من يخاطبكم اليوم هو رئيس الجمهورية الذي أوليتموه، مجلساً وشعباً، ثقتكم لتحمّل مسؤولية الموقع الأوّل في الدولة، الآتي من مسيرة نضاليّة طويلة لم تخلُ يومًا من المسؤوليات الوطنية، سواء في المؤسّسة العسكريّة التي نشأ في كنفها وتبوّأ قيادتها، أو في ممارسة السلطة العامة بالتكليف الدستوري، أو في الشأن العام بالتكليف الشعبي. رئيسٌ أتى في زمن عسير، ويؤمل منه الكثير في تخطي الصعاب وليس مجرد التآلف والتأقلم معها، وفي تأمين استقرار يتوق إليه اللبنانيون كي لا تبقى أقصى أحلامهم حقيبة السفر.
إن أول خطوة نحو الاستقرار المنشود هي في الاستقرار السياسي، وذلك لا يمكن أن يتأمن إلا باحترام الميثاق والدستور والقوانين من خلال الشراكة الوطنية التي هي جوهر نظامنا وفرادة كياننا. وفي هذا السياق تأتي ضرورة تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني، بكاملها من دون انتقائية أو استنسابية، وتطويرها وفقاً للحاجة من خلال توافق وطني. ذلك أنّها، في جزء منها، دستور، وفي جزء آخر، تعهدات وطنية ملزمة، ولا يمكن بالتالي أن يصار إلى تطبيقها بصورة مجتزأة، فينال منها الشحوب والوهن، ولا يستوي في ظلّها نظام أو حكم، ولا تنهض عنها شرعية لأي سلطة.
فرادةُ لبنان هي بمجتمعه التعددي المتوازن، وهذه الفرادة تقضي بأن نعيش روح الدستور، من خلال المناصفة الفعلية، وأول موجباتها إقرار قانون انتخابي يؤمّن عدالة التمثيل، قبل موعد الانتخابات المرتقبة.
أما في الاستقرار الأمني، فإن أوّل مقوماته الوحدة الوطنية، وكلنا يعي التحديات التي تواجهنا بصورة داهمة، وضرورة التصدي لها بلا هوادة، بوحدتنا وانفتاحنا على بعضنا البعض وقبول كل منا رأي الآخر ومعتقده. هكذا نحافظ على روافد قوّتنا، ونسدّ الثغرات التي قد تنفذ منها سموم الفتنة والتشرذم والتشنج والفوضى.
إن لبنان السائر بين الألغام لا يزال بمنأى عن النيران المشتعلة حوله في المنطقة. ويبقى في طليعة أولوياتنا منع انتقال أي شرارة اليه. من هنا ضرورة إبتعاده عن الصراعات الخارجية، ملتزمين احترام ميثاق جامعة الدول العربية وبشكل خاص المادة الثامنة منه، مع اعتماد سياسة خارجية مستقلة تقوم على مصلحة لبنان العليا واحترام القانون الدولي، حفاظاً على الوطن واحة سلام واستقرار وتلاقٍ.
أما في الصراع مع اسرائيل، فإننا لن نألو جهداً ولن نوفر مقاومةً، في سبيل تحرير ما تبقّى من أراضٍ لبنانية محتلّة، وحماية وطننا من عدوٍّ لما يزل يطمع بأرضنا ومياهنا وثرواتنا الطبيعية.
وسننتعامل مع الإرهاب استباقيًا وردعيًا وتصديًا، حتّى القضاء عليه، كما علينا معالجة مسألة النزوح السوري عبر تأمين العودة السريعة، ساعين الى ألا تتحول المخيمات وتجمعات النزوح إلى محميات أمنية. كل ذلك بالتعاون مع الدول والسلطات المعنية، وبالتنسيق المسؤول مع منظّمة الأمم المتحدة التي ساهم لبنان في تأسيسها، ويلتزم مواثيقها في مقدمة دستوره، مؤكدين أنه لا يمكن أن يقوم حل في سوريا لا يضمن ولا يبدأ بعودة النازحين. أما في ما يتعلق بالفلسطينيين فنجهد دوماً لتثبيت حق العودة ولتنفيذه.
إن بلوغ الاستقرار الأمني لا يتم الا بتنسيق كامل بين المؤسسات الأمنية والقضاء، فالأمن والقضاء مرتبطان بمهمات متكاملة، ومن واجب الحكم تحريرهما من التبعية السياسية، كما عليه ضبط تجاوزاتهما، فيطمئن المواطن الى الإداء، وتستعيد الدولة وقارها وهيبتها.
أما مشروع تعزيز الجيش وتطوير قدراته، فهذا سيكون هاجسي وأولويتي، ليصبح جيشنا قادراً على ردع كل أنواع الاعتداءات على وطننا، وليكون حارساً أرضه وحامياً استقلاله وحافظاً سيادته.
يبقى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ذلك أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمالية والانمائية والصحية والبيئية والتربوية تمر بأزمات متلاحقة، لا بل متواصلة، لأسباب عدة خارجية وداخلية. واذا كانت الأسباب الخارجية عاصيةً علينا ولا نستطيع سوى الحدّ من أثارها، فإن الداخلية منها تفرض علينا نهجاً تغييرياً لمعالجتها، يبدأ بإصلاحٍ اقتصادي يقوم على التخطيط والتنسيق بين الوزارات، والتأليل في مختلف إدارات الدولة. إذ لا يمكن أن نستمر من دون خطة اقتصادية شاملة مبنية على خطط قطاعية، فالدولة من دون تخطيط لا يستقيم بناؤها، والدولة من دون مجتمع مدني لا يمكن بناؤها.
إن استثمار الموارد الطبيعية في مشاريعَ منتجة يؤسس لتكبير حجم اقتصاد حر قائم على المبادرة الفردية وعلى إشراك القطاع الخاص مع القطاع العام، وذلك من ضمن رؤية مالية هادفة ومتطورة.
كما أن الاستثمار في الموارد البشرية، وبشكل خاص في قطاع التربية والتعليم والمعرفة، يسهم في بناء أجيال يعول عليها لضمان مستقبل لبنان الذي نطمح جميعاً اليه، إذ إن غنى لبنان الأساسي هو في إنسانه المنتشر في كل بقاع العالم، هذا الإنسان الذي ندين له باستمرارية رسالة لبنان ونشرها، كما في إنسانه المقيم الذي من حقه أن يعيش في بيئة سياسية سليمة وفي بيئة طبيعية نظيفة.
أما اللامركزية الادارية، بما تجمع من مرونة ودينامية في تأمين حاجات الناس وخدماتهم، مع حفاظها على الخصوصية ضمن صيغة العيش الواحد، فيجب ان تكون محوراً اساسياً، ليس فقط تطبيقاً لوثيقة الوفاق الوطني أو انسجاماً مع طبيعة لبنان، بل أيضاً تماشياً مع تطور نظم الحكم في العالم.
إن هذا الإصلاح الاجتماعي – الاقتصادي، لا يمكنه أن ينجح إلا بإرساء نظام الشفافية عبر إقرار منظومة القوانين التي تساعد على الوقاية من الفساد وتعيين هيئة لمكافحته، وتفعيل أجهزة الرقابة وتمكينها من القيام بكامل أدوارها.
ويبقى الأهم اطمئنان اللبنانيين الى بعضهم البعض والى دولتهم بأن تكون الحامية لهم والمؤمّنة لحقوقهم وحاجاتهم، وأن يكون رئيس الجمهورية هو ضامن الأمان والاطمئنان.
هذه هي العناوين الكبرى لعهد رئاسي، أرغب صادقًا في أن يكون عهدًا تتحقّق فيه نقلة نوعية في إرساء الشراكة الوطنية الفعلية في مختلف مواقع الدولة والسلطات الدستورية، وفي إطلاق نهضة اقتصادية تغيّر اتجاه المسار الانحداري، وفي السهر على سلامة القضاء والعدالة، ما من شأنه أن يمهّد السبيل إلى قيام دولة المواطنة، بعد أن يكون كل مكوّن قد اطمأن إلى يومه وغده ومصيره في لبنان.
ربّ قائلٍ إننا قد تأخرنا في إنجاز ما حلمنا به وناضلنا من أجله وتشرّد لنا أعزاء في أصقاع الأرض وسقط لنا أحباء، شهداء وجرحى وأسرى ومفقودون، في سبيله. ولكن، كلي ثقة بأن اللبنانيين جميعاً، رغم إدراكهم أن الطريق شاق وطويل، لديهم العزم والإرادة والإقدام لنحقق معاً ما نذرنا له الحياة، وهو لبنان القوي الموحّد لكل أبنائه، لبنان الحرية والكرامة، لبنان السيادة والاستقلال، لبنان الاستقرار والازدهار، لبنان الميثاق والرسالة».