التدخل الأسباني في أوروبا وصراع كارلوس الخامس في إيطاليا

أعمدة هرقل مع شعار «بلاس أولترا (لغات أخرى)» كرمز للامبراطور كارلوس الخامس في قاعة بلدية أشبيلية (القرن 16)
بدأ نجم الإمبراطور كارلوس الخامس بالصعود سنة 1516 وأيضا في 1519 بعيد انتخابه عاهلا للإمبراطورية الرومانية المقدسة. فوجد ملك فرنسا فرانسوا الأول نفسه محاطا بمملكة هابسبورغ، فغزا سنة 1521 أملاك إسبانيا في إيطاليا لتدشين الحرب الثانية من صراع فرنسا مع اسبانيا. فكانت الحرب كارثية لفرنسا، حيث عانت الهزيمة في معركتي بيكوكا وبافيا، حيث أسر فرانسوا وسجن في مدريد، وأيضا في معركة لاندريانو [الإنجليزية] (1529) عندما رضخ وتخلى عن ميلان لإسبانيا.

معركة بافيا 1525
فاجأ نصر الملك كارلوس الأول في معركة بافيا العديد من الإيطاليين والألمان، مما أثار المخاوف من أنه سيسعى للحصول على سلطة أقوى من أي وقت مضى. فغير البابا كليمنت السابع ولاءه وانضم لقوات من فرنسا ودول الإيطالية بارزة ضد إمبراطور آل هابسبورغ، مما أدى إلى حرب عصبة كونياك. تململ كارلوس من تدخل البابا فيما أسماه بالشؤون العلمانية. ففي سنة 1527 تمرد جيش كارلوس الموجود في شمال إيطاليا بعد نقص بالتمويل فتقدم جنوبا نحو روما حيث حاصرها ونهبها ولم يكن ذلك برغبة من كارلوس. مما سبب الحرج الشديد للبابا كليمنت والبابوات من بعده، فأصبحت البابوية بعد ذلك أكثر حذرا في تعاملها مع السلطة العلمانية. ثم بدأ الأدميرال الشهير أندريا دوريا بالتحالف مع الإمبراطور سنة 1528 لطرد الفرنسيين واستعادة حرية جنوة، مما فتح الأمل في تجديد القرض المالي والذي تم في نفس العام عندما قدمت بنوك جنوة أول قرض إلى كارلوس.
وفي سنة 1533 رفض البابا كليمنت طلب إبطال زواج هنري الثامن ملك إنجلترا الأول على كاثرين أراغون جزئيا أو كليا رغبة منه بعدم الإساءة إلى الإمبراطور كارلوس كي يمنع نهب عاصمته مرة الثانية، فقد وقع الطرفان معاهدة سلام في برشلونة سنة 1529 مما أوجد علاقة أكثر ودية بين الزعيمين. فأضحى اسم حامي الكاثوليكية فعّال لإسبانيا، فتوج كارلوسملكا على إيطاليا (لومبارديا) مقابل مساعدة إسبانيا في الإطاحة بجمهورية فلورنسا المتمردة.
أعلن فرانسوا الأول سنة 1543 تحالفا لم يسبق له مثيل مع السلطان العثماني سليمان القانوني لإستعادة مدينة نيس [الإنجليزية] التي يسيطر عليها الأسبان. فانضم هنري الثامن ملك إنجلترا إلى كارلوس الخامس في غزوه لفرنسا، فهو يحمل ضغينة ضد فرنسا أكبر مما هو ضد الإمبراطور لوقوفه ضد طلاقه. وبالرغم من هزيمة الأسبان في معركة سيريسول في سافوي إلا أن الفرنسيين ليسوا بالقادرين على تهديد جيش إسبانيا المسيطر على ميلان، وأيضا كانوا يعانون من هزيمة في الشمال على يد هنري مما أجبرهم على قبول شروط غير مرغوبة. أما النمساويين بقيادة فرديناند شقيق كارلوس الأصغر فقد واصلوا حربهم ضد العثمانيين في الشرق، بينما ذهب كارلوس للإهتمام بمشكلة قديمة: وهي اتحاد شمالكالدي.
صراعات الإمبراطورية المقدسة الدينية

خريطة لممتلكات آل هابسبورغ بعد تنازل كارلوس الخامس (1556) كما صوره «أطلس تاريخ كامبريدج الحديث» 1912; فأراضي هابسبورغ مرسومة بالأخضر. فالمناطق محددة من الأراضي المنخفضة حتى شرق فرنسا إلى جنوب إيطاليا والجزر فقد احتفظت بها هابسبورغ الإسبانية.
تحالف اتحاد شمالكالدي مع الفرنسيين، وتمكن من صد محاولات تقويض التحالف في ألمانيا. ولكن هزيمة فرنسا في 1544 أدت إلى إلغاء التحالف مع البروتستانت، فتمكن الإمبراطور كارلوس من الاستفادة من هذه الفرصة، حيث حاول أولا التدخل في مسار مفاوضات مجمع ترنت في 1545، ولكن شعور القيادة البروتستانتية بالخيانة من الموقف الذي اتخذه الكاثوليك في المجلس أدى إلى ذهابهم للحرب بقيادة الناخب موريس السكسوني. فغزا كارلوس ألمانيا بجيش مختلط من الهولنديين والإسبان أملا باستعادة هيمنة الإمبراطورية. فألحق بالبروتستانت هزيمة ثقيلة في معركة مولبرغ التاريخية سنة 1547. فاضطرت الولايات البروتستانتية إلى توقيع صلح أوغسبورغ سنة 1555 معه، فاستقرت الأحوال في ألمانيا عملا بمبدأ دين الحاكم يفرض على المحكومين (باللاتينية: cuius regio, eius religio)، وهو موقف لم يحظ برضا رجال الدين الإسبان والإيطاليين. إلا أن تدخل كارلوس في ألمانيا أسّس لاسبانيا دورا بأنها حامية للكاثوليك. مما سبب الهابسبورغ فيالإمبراطورية الرومانية المقدسة بسابقة أدت بعد سبعة عقود إلى التورط بحرب من شأنها أن أنهت دور إسبانيا باعتبارها القوة الأولى في أوروبا.
هزيمة فرنسا
كان لكارلوس الخامس ابنا شرعيا وحيدا وهو فيليب الثاني الذي تقاسم التركة النمساوية مع عمه فرديناند. اعتبر فيليب قشتالة بأنها عماد إمبراطوريته، ولكن مشكلتها أنه ليس لديها مايكفي من الجنود لدعمه. ولكن عندما تزوج ماري تيودور أصبحت إنجلترا حليفة له.

الإحتفالات التي اعقبت صلح كاتو-كامبرازي(1559) بين فرنسا وإسبانيا
عندما استلم هنري الثاني عرش فرنسا في 1547 لم تكن إسبانيا قد وصلت بعد إلى سلام مع فرنسا فتجدد الصراع بينهما. حيث ألهب فيليب الثاني وبشراسة حربه ضد فرنسا، فسحق الجيش الفرنسي في معركة سانت كينتان في بيكاردي في 1558. ثم هزمهم مرة أخرى في معركة جرافلين [الإنجليزية].
بعد ذلك وقعت الدولتان صلح كاتو-كامبرازي في 1559، حيث اعترفت رسميا بمطالبات إسبانيا في إيطاليا. وبعد الاحتفالات التي تلت المعاهدة قتل هنري بشظية طائشة من أحد الجنود. ولكن مصاب فرنسا الأكبر هو تعرضها في السنوات الثلاثين التالية لحرب أهلية دينية، فتنحت من منافسة إسبانيا وآل هابسبورغ في السيطرة على أوروبا. فتخلصت إسبانيا خلال تلك الفترة من خصم قوي، حيث شهدت أوج قوتها وحضورها الإقليمي في الفترة من 1559-1643.
بدأ فتح ائتلاف مصارف جنوة بعد تعرض حكم فيليب الثاني للإفلاس سنة 1557، فتعرضت البيوت المصرفية الألمانية لحالة من الفوضى مما أنهى عهد آل فوغر الذين يمولون الإسبان[111]. فقد قدمت بنوك جنوة لنظام هابسبورغ الثقيل ائتمان سائل ودخل منتظم يمكن الاعتماد عليه. وبالمقابل نقلت وبسرعة شحنات قليلة الثقة من فضة الإنديز من إشبيلية إلى جنوة، لتوفير المال لمزيد من المشاريع.
الصراعات الأوروبية في عهد فيليب الثاني[عدل]
تحرير ليدن (1574) بعد أن حطم الهولنديون سدهم المائي في حرب الثمانين عاما
لم تدم البهجة في مدريد طويلا. فقد أدت الكالفينية في هولندا إلى اندلاع أعمال شغب سنة 1566، فزحف دوق ألبا بجيشه إلى تلك البلاد لاستعادة النظام. ولم يتمكن ويليام البرتقالالمعروف بالكتوم سنة 1568 أن يطرده من هولندا. ولكن اعتبرت تلك المعارك أنها بداية لحرب الثمانين عاما التي انتهت باستقلال الأقاليم المتحدة. وكان الإسبان متشددين في استعادة النظام والحفاظ على سيطرتهم على تلك المقاطعات بسبب ماينالونه من ثروات ضخمة في هولندا وخاصة من ميناء أنتويرب الحيوي. حتى قيل في تقديرات:»أن عائدات التاج الإسباني من ميناء أنتويرب أكثر بسبع مرات من عائداتهم من الأمريكتين[112]». وفي سنة 1572 استولت مجموعة متمردة من القراصنة الهولنديين عرفوا بإسم متسولي البحر (بالهولندية: watergeuzen) على عدد من مدن الساحل الهولندي، حيث أعلنوا دعمهم لوليام ورفضهم زعامة إسبانيا.
دخلت إسبانيا بحربها تلك مستنقع لا قرار له -بالمعنى الحرفي-. ففي سنة 1574 صد الهولنديون حصار الجيش الأسباني بقيادة لويس دي ريجيزينز على ليدن بعد كسرهم للسدودمما تسبب بفيضانات عارمة. ثم واجه فيليب في 1576 فواتير جيشه ال 80,000 جندي عند احتلال هولندا، ثم كلفة أسطوله الذي انتصر في ليبانتو، إلى جانب تزايد خطرالقرصنة في البحار المفتوحة الذي حد من دخله من المستعمرات الأمريكية. وفي النهاية اضطر فيليب إلى إعلانه الإفلاس.
لم يمض وقت طويل على حصار أنتويرب حتى بدأ الجيش في هولندا بالتمرد ونهب جنوب هولندا، مما دفع عدة مدن مسالمة في المقاطعات الجنوبية للانضمام إلى التمرد. فاختار الإسبان التفاوض، مما أعاد الهدوء مرة أخرى إلى معظم المقاطعات الجنوبية من اتحاد أراس [الإنجليزية] في 1579. وردا على ذلك أنشأت هولندا من نفس الشهر تحالف بين المقاطعات الشمالية سمي اتحاد أوترخت. ثم خلعوا فيليب رسميا في 1581 عندما شرعوا مرسوم التخلي.

لوحة الدفاع عن قادس رسمها زورباران
وبموجب اتفاق أراس أعلنت الولايات الجنوبية من هولندا الإسبانية (حاليا بلجيكا ونور با دو كاليه وبيكاردي الفرنسيتين) ولائهم للملك فيليب الثاني واعترفت بدون خوان حاكما عاما لها. وتلك أعطت الملك الفرصة في 1580 لتعزيز موقفه عندما توفي آخر عضو في العائلة المالكة البرتغالية وهو هنريك ملك البرتغال وظهور أزمة خلافة. حيث أكد فيليب مطالبته بالعرش البرتغالي وأرسل في يونيو جيشا بقيادة دوق ألبا إلى لشبونة لضمان خلافته. على الرغم من أن شعبية دوق ألبا والاحتلال الإسباني كان قليلا في لشبونة مما في روتردام، إلا أن دمج الإمبراطورية الإسبانية والبرتغالية معا وضعت في يد فيليب تقريبا مجمل استكشاف العالم الجديد إلى جانب أمبراطورية تجارية واسعة في أفريقيا وآسيا. وفي سنة 1582 أعاد فيليب الثاني نقل قصره إلى مدريد من ميناء لشبونة المطل على الأطلسي حيث استقر فيها مؤقتا لتهدئة المملكة البرتغالية الجديدة.
احتاجت البرتغال إلى قوة احتلال كبيرة لإبقائه تحت السيطرة، مع إن إسبانيا لاتزال تعاني من إفلاس 1576. ثم في سنة 1584 اغتيل وليام الكتوم وقتله كاثوليكي نصف مختل، وكان هناك أمل أنه بوفاته ستتوقف المقاومة الهولندية مما يوضع حد للحرب. ولكن ذلك لم يحدث، حيث أرسلت الملكة إليزابيث الأولى في 1586 دعما للبروتستانت في هولندا وفرنسا، وشن السير فرانسيس دريك هجمات ضد التجار الأسبان في الكاريبي والمحيط الهادئ، إلى جانب هجوم شرس على ميناء قادس. ولوضع حد من تدخلات الملكة إليزابيث، أرسل فيليب اسطول أرمادا الإسباني لغزو إنجلترا في عام 1588 . ولكن الظروف لم تكن بجانبه حيث تلقى الإنجليز تحذيرات من جواسيسهم في هولندا، لذا كانوا على استعداد لهجوم الأرمادا. فجهزوا سفنا سرية المناورة ومدججة بالسلاح إضافة إلى أن الطقس كان سيئا وقت المواجهة مما أدى إلى هزيمة الأرمادا.

إسطول الأرمادا يخرج من خليج فيرول (1588)
ومع ذلك فإن تلك الهزيمة لم تكن مؤثرة. فقد كانت نقطة التحول في حرب إنجلترا وإسبانيا (1585-1604) هو فشل حملة دريك-نوريس [الإنجليزية] إلى البرتغال وجزر الأزور في 1589. مما أبقى الأساطيل الإسبانية أكثر كفاءة في نقل كميات ضخمة من الفضة والذهب من الأمريكيتين، في حين أن الهجمات الإنجليزية عانت من الفشل المكلف.
أما في فرنسا فقد اقحمت فيها إسبانيا نفسها بحرب دينية بعد وفاة هنري الثاني وعهد فرانسوا الثاني وشارل التاسع حتى مقتل هنري الثالث على أسوار باريس في 1589 وهو آخرأسرة فالوا. فخلفه هنري الرابع ملك نافار، أول ملوك فرنسا من آل بوربون. وهو رجل ذو قدرة كبيرة، فحقق انتصارات كبيرة ضد التحالف الكاثوليكي في أركيوس (1589)وايفري (1590). ولكنه لم يتمكن من حكم فرنسا إلا بعد أن تحول إلى الكاثوليكية. أما الجيش الإسباني فقد انقسم إلى مابين البقاء في هولندا وآخر لغزو فرنسا في 1590. ولكن ذلك التوزيع قد أحدث كارثة.
الإصلاح في عهد فيليب الثالث
وجدت الإمبراطورية الإسبانية المفلسة نفسها في مواجهة عسكرية ضد فرنسا وانكلترا وهولندا كل منهم لديه قيادة متمكنة ومنافسة من أعداء أقوياء. وفوق ذلك استمرت القرصنة على سفنها في الأطلسي ومشاريعها الاستعمارية المكلفة فاضطرت إسبانيا لإعادة التفاوض على ديونها في 1596. ثم حاول التاج تقليل مواجهة النزاعات الخارجية، فبدأ أولا بالتوقيع على صلح فرفينس مع فرنسا في 1598 حيث اعترف بهنري الرابع (أضحى كاثوليكيا في 1593) ملكا على فرنسا، واستعادة العديد من شروط صلح كاتو-كامبرازيالسابقة. وأيضا مع مملكة إنجلترا التي عانت من سلسلة هزائم بحرية ومن حرب عصابات [الإنجليزية] لا نهاية لها مع كاثوليك أيرلندا المدعومين من أسبانيا، فقد وقعتا معاهدة لندن 1604 بعد ان تولى التاج سليل آل ستيوارت جيمس الأولعقب وفاة الملكة إليزابيث.
قدمت قشتالة إلى التاج الإسباني معظم إيراداتها وأفضل قواتها[113]. ولكن الطاعون [الإنجليزية] الذي دمر أراضيها بين سنة 1596 و1602، وتسبب بموت 600،000 نسمة[114]. مما جعل العديد ممن بقي من أهالي قشتالة إما توجه إلى أمريكا أو لقوا حتفهم في الحروب. في سنة 1609 طرد الغالبية العظمى من المورسكيون من إسبانيا بحيث قدر أن قشتالة فقدت نحو 25٪ من سكانها ما بين 1600 و1623. هذا الانخفاض المريع في عدد السكان يعني انخفاض خطير في عائدات التاج في وقت كانت هي متورطة في صراع لم ينتهي بعد في أوروبا[115].
أعطت الهدنة مع انكلترا وفرنسا فرصة لإسبانيا في تركيز طاقتها لاستعادة سيطرتها على المقاطعات الهولندية. فقد قاد موريس ناساو المقاومة الهولندية وهو ابن وليام الكتوم ويعد من خيرة الاستراتيجيين في زمانه، حيث نجح سنة 1590 في الإستيلاء على عدد من المدن الحدودية بما فيها قلعة بريدا. ولكن بعد سلام إسبانيا مع انكلترا، استلم القيادة الإسبانية الجنرال امبروجيو سبينولا وهو ند كفؤ لموريس، حيث ضغط على الهولنديين وكاد يعيد احتلال بلدهم لولا حالةالإفلاس التي أصابت إسبانيا في 1607. وبعدها تم توقيع هدنة مصالحة في 1609 بين إسبانيا والمقاطعات المتحدة. وأخيرا عاشت إسبانيا في سلام – (باللاتينية: Pax Hispanica).
استعادت إسبانيا عافيتها خلال الهدنة، فانتظمت مواردها المالية وتفعل الكثير من الهيبة والاستقرار في الفترة التي سبقت الحرب العظمى الأخيرة والتي كانت ستلعب فيها دورا رئيسيا. فقد كان خليفة فيليب الثاني وهو فيليب الثالث رجلا ذو قدرة محدودة وغير مهتم بالسياسة ويفضل أن يفوض إدارة إمبراطورية للآخرين. أما رئيس وزرائه فهو الدوق ليرما [الإنجليزية] القوي.
كان دوق ليرما (ومثله أيضا فيليب الثاني) غير مهتم في شؤون حليفهم النمسا. وفي 1618 استبدله الملك بالدون بالتازار دي زونيغا وهو سفير مخضرم إلى فيينا. كان الدون بالتازار يعتقد أن المفتاح الرئيسي لكبح جماح فرنسا والتخلص من الهولنديين هو تحالف أوثق مع هابسبورغ النمسا. فبدأ بذات السنة العمل بسياسة القذف من النافذة حيث شرعت النمسا والإمبراطور فرديناند الثاني في حملة ضد الاتحاد البروتستانتي [الإنجليزية] وبوهيميا. شجع دون بالتازار الملك فيليب للانضمام إلى هابسبورغ النمسا في الحرب، فأرسل الجنرال سبينولا نجم الجيش الإسباني في هولندا الصاعد على رأس جيش فلاندرز [الإنجليزية] للتدخل. وهكذا دخلت إسبانيا في حرب الثلاثين عاما.
الطريق إلى روكروا (1626–1643)

استسلام بريدا (1625) إلى امبروجيو سبينولا بريشة فيلاسكيز. يرمز هذا الانتصار إلى فترة تجدد حيوية العسكرية الإسبانية في حرب الثلاثين عاما.
بعد عدة انتصارات هزم البوهيميين في معركة الجبل الأبيض في 1620. وفي سنة 1621 استلم الحكم فيليب الرابع وهو أكثر تدينا. وفي السنة التالية ازيح دون بالتازار وخلفهغاسبار دي غوزمان دوق اوليفاريس. وفي 1623 تعرض البوهيميون لهزيمة أخرى في معركة شتاتلون. اما في هولندا فقد عادت الحرب مجددا في 1621 حيث أخذ سبينولا قلعة بريدا في 1625. فحاول الملك كريستيان الرابع التدخل لتغيير مسار الحرب مما هدد وضع إسبانيا، ولكن هزيمة الدنماركيين أمام الجنرال ألبرت فالنشتاين في معركتي جسر ديساو ولوتر (كليهما في 1626) قضي على هذا التهديد.
كان لدى مدريد أمل في أن تندمج هولندا داخل الإمبراطورية. وقد بدا أن البروتستانت في ألمانيا قد انتهى امرهم بعد هزيمة الدنمارك. وقد تورطت فرنسا مرة أخرى في مشاكلها الداخلية (بدأ حصار لاروشيل الشهير في 1627). حتى بدا واضحا سمو وعظمة اسبانيا، حيث عبر الدوق اوليفاريس وبحدة: «إن الرب إسباني وأنه يناضل من أجل أمتنا هذه الأيام».
كان اوليفاريس مدركا أن إسبانيا بحاجة إلى إصلاح، وأن الإصلاح بحاجة إلى سلام، وإن هذا السلام لا يبدأ أولا إلا مع المقاطعات المتحدة. وكان هدف اوليفاريس هو «السلام المشرف» وهو يعني تسوية سلمية تعود لإسبانيا بعض سيادتها في هولندا. إلا أن هذا غير مقبول للمقاطعات المتحدة، لذا فالنتيجة الحتمية لذلك هو أمل بحدوث انتصار قوي يؤدي بعده إلى «السلام المشرف» – فاستمرت الحرب المدمرة التي أراد اوليفاريس تجنبها.
لتوضيح الوضع الاقتصادي غير المستقر في إسبانيا في ذلك الوقت، يكفي أن نذكر أنه واقعيا بأن المصرفيون الهولنديون هم الذين مولوا تجار الهند الشرقية الإشبيليين (افتراضيا خلال الهدنة). وفي الوقت نفسه فإن المشروعات التجارية الهولندية العالمية واستعمارهم الخارجي قد اضعف من الهيمنة الإسبانية والبرتغالية. لذا فإسبانيا بحاجة ماسة إلى وقت وسلام لإصلاح هيكليتها المالية وإعادة بناء اقتصادها.
فبينما كان تركيز سبينولا وجيشه الإسباني على هولندا وبدا أن الحرب تذهب لصالح إسبانيا، تعرضت قشتالة في سنة 1627 لإنهيار اقتصادي. فاضطر آل هابسبورغ لتخفيض عملتهم لدفع ثمن الحرب فانفجرت الأسعار تماما كما كان في حالة الإفلاس السابقة. استمرت أجزاء من قشتالة تعمل بنظام المقايضة بسبب أزمة العملة حتى 1631، ولم تتمكن الحكومة من جمع أي ضرائب ذات قيمة من الفلاحين، حيث اعتمدت على إيراداتها من المستعمرات. أما الجيوش الإسبانية وغيرهم في أراضي ألمانيا فقد لجؤا إلى «عرض أنفسهم» للإرتزاق.
تراجع اوليفاريس عن إصلاحات ضريبية معينة في إسبانيا بانتظار نهاية الحرب، ولكنه أسرف بدخوله حرب أخرى محرجة وغير مثمرة في شمال إيطاليا. أما الهولنديون فقد استغلوا هدنة السنوات الإثني عشر حيث كانت أولويتهم تقوية اسطولهم البحري، (والتي أظهرت قوتها الكاملة في معركة جبل طارق 1607)، واستطاع الكابتن بيت هين من توجيه ضربة كبيرة ضد تجارة البحرية الإسبانية وتمكن من أخذ أسطول المال الأسباني والتي كانت إسبانيا تعتمد عليه بعد الانهيار الاقتصادي.
امتدت موارد إسبانيا العسكرية في جميع أنحاء أوروبا وأيضا في البحار. حيث سعوا في حماية تجارتهم البحرية ضد أساطيل هولندا وفرنسا التي تحسنت بسرعة، وفي منطقة البحر المتوسط لا يزالون منهمكين مع الإسطول العثماني وتهديد القرصنة البربرية المرتبطة بهم. خلال تلك المدة نجح قراصنة دنكيرك الموالين لإسبانيا نجاحا كبيرا في خنق الشحن الهولندي. وفي سنة 1625 تمكن أسطول إسباني-برتغالي بقيادة الأدميرال فراديك دي توليدو من استعادة مدينة سالفادور (باهيا) البرازيلية الحيوية استراتيجيا من الهولنديين. لكن وفي مكان آخر أثبتت الحصون البرتغالية المعزولة وقليلة السكان في أفريقيا وآسيا أنها عرضة للهجوم والاستحواذ من الهولنديين والإنجليز، أو بمعنى آخر فقد تم تجاوز تلك الحصون بأنها مراكز تجارية هامة وتركت عرضة للإهمال.