نهى النحاس

في عام 2017 كان المهتمون بالشأن المالي يملأون العالم بالحديث حول النمو المستدام المتزامن في الاقتصاديات الكبرى للمرة الأولى منذ الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية، وكان ذلك معلناً من جانب صفوة المالية العالمية بما فيهم كريستين لاجارد رئيسة صندوق النقد الدولي.

ولكن تحليلاً نشره موقع «ديلي ريكون» يرى أن تلك الصورة تتلاشى في الوقت الراهن، حيث إن النمو العالمي المتزامن يتحول إلى تباطؤ متزامن.

وبالفعل أظهرت البيانات الأخيرة تحول النمو الاقتصادي إلى النطاق السالب في اثنين من أكبر الاقتصاديات في العالم وهما اليابان وألمانيا، بينما يتباطأ بسرعة في أكبر اقتصادين (الولايات المتحدة والصين).

وعلى الرغم أن الصين من المحتمل أن تعلن نمواً اقتصادياً عند مستوى 6.8%، لكن عندما يتم تجريد اقتصاديها من كل الهدر والتبديد فإن النمو الفعلي من المحتمل أن يكون 4.5%، وهو معدل غير كافٍ لتحمل الديون الصينية الضخمة.

فديون الصين تنمو بوتيرة أسرع من نمو الاقتصاد، كما أن معدل الدين إلى الناتج الإجمالي المحلي أسوأ من نظيره في الولايات المتحدة، حيث أن ديون بكين زادت من مستوى 2 تريليون دولار في عام 2000 إلى 40 تريليون دولار الآن، مسجلة زيادة مهولة بنحو 2000% في أقل من 20 عاماً.

كما أن النمو الاقتصادي يتباطأ في الولايات المتحدة، حيث إن التعافي من 2009 وحتى 2018 هو بالفعل الأضعف في تاريخ الولايات المتحدة بالرغم من تسجيل أداء جيد في بعض الفصول، كما أن التوقعات قليلة بأن يتسارع نمو الاقتصاد من تلك النقطة.

وفي الربع الثالث من العام الجاري نما الاقتصاد الأمريكي بنحو 3.5%، وهو ما يبدو جيداً على الورق، لكن الاتجاه يشير نحو مسار هبوطي، فمنذ أبريل نجد أن النمو الاقتصادي يسجل مستوى 4.2% في الربع الثاني ثم 3.5% في الربع الثالث.

ويتجه ذلك المسار نحو التأكيد على وجهة النظر التي تقول إن النمو في 2018 استفاد من طفرة الخفض الضريبي التي لن تتكرر، ولذلك فإن النمو الاقتصادي في الربع الأخير من المحتمل أن يكون أبطأ من الربع الثالث.

وعلى سبيل المثال فإن بنك جولدمان ساكس يتوقع أن ينمو الاقتصاد الأمريكي بنسبة 2.5% في الربع الرابع، حتى يصل إلى مستوى 2.2% بحلول نهاية الربع الثاني من 2019، ثم 1.6% بحلول نهاية العام المقبل.

ومثل ذلك التباطؤ الذي نشهده في الوقت الحالي يتفاقم بتصعيد الحروب التجارية، والحرب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة والصين، ولكن في حين أن النمو العالمي من المحتمل أن يشهد تباطؤ فإن عملية إضافة الديون لا تشهد ذلك التباطؤ.

والأمر لا يقتصر فقط على الصين، فوفقاً لتقرير صادر عن معهد التمويل الدولي فإن إجمالي الديون التي بحوزة الاقتصاديات التي تتبعها سجل مستوى قياسياً بالربع الأول من العام الجاري عند 247 تريليون دولار، بارتفاع 11% من مستوياتها في الفترة نفسها من عام 2017.

ولكن معهد التمويل الدولي يشير إلى أن الأمر يتطلب 8 تريليونات دولار من الديون المستحدثة لإضافة 1.3 تريليون دولار فقط من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

والأمر واضح، هذه الديون الضخمة التي تستهدف تحقيق النمو تتراكم يومياً ولكن النمو يتباطأ، وفي الوقت نفسه فإن الكثير من الديون التي تم اقتراضها منذ 2009 لم تسدد حتى الآن.

وتعتبر هذه «أزمة منتظرة الحدوث»، فمزيج الانكماش الاقتصادي أو تباطؤ النمو وكذلك الديون التي لا مثيل لها هو الوصفة لحدوث أزمة ديون جديدة، التي من المحتمل أن تنحدر بسهولة إلى أزمة مالية عالمية جديدة.

وفي بعض المدن الصينية هبطت أسعار المنازل بنسبة 30% كما أن مبيعات السيارات في أكتوبر الماضي انخفضت بنحو 12% على أساس سنوي، أما سوق الأسهم الصيني فتراجع بنسبة 25% منذ بداية 2018.

ولا يوجد سبب يدفع للتصديق بأن تلك المشاكل ستبقى منحصرة على الصين فقط، فكما تعلمنا وقت الأزمة في 2008 فإن التحول من الظروف الإيجابية إلى السلبية يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها وينتشر بسرعة.

كما أن المشكلة تتجه نحو الأسوأ بسبب السياسة التشددية من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي، الذي يحاول «تطبيع» معدل الفائدة، فالمركزي الأمريكي مصمم على الاستمرار في رفع أسعار الفائدة حتى تصل لنحو 4% في بداية عام 2020، كما أنه مستعد لرفع أسعار الفائدة مرة أخرى في الأسبوع المقبل.

وعلى الرغم أن الفيدرالي الأمريكي لا يزال يرى النمو الاقتصادي قوياً وتسارع التضخم متوقعاً بسبب تراجع معدل البطالة لأدنى مستوى في نحو 50 عاماً فإن هذه الرؤية تعتبر مضللة للغاية.

والسبب الحقيقي وراء زيادة معدل الفائدة الأمريكية هو الإعداد للكساد المقبل، وتظهر الأبحاث أن الأمر يستغرق نحو 4% من خفض معدل الفائدة لسحب الاقتصاد الأمريكي من الركود.

ولكن السؤال هو كيف تخفض معدل الفائدة 4% وهي فقط 2.5% حالياً؟

والإجابة ببساطة أنه لا يمكنك ذلك، ففي حال حدوث ركود اقتصادي اليوم فإن الفيدرالي سيخفض معدل الفائدة لمستوى صفر، ولكنه لن يكون كافي لوقف ذلك الركود.

ومنذ 2008 وحتى 2014 طبع الاحتياطي الفيدرالي أموالاً جديدة بقية 3.7 تريليون دولار، وذلك تحت منصة التيسير الكمي لكن وراء الستار فإن الفيدرالي يخفض أيضاً قاعدة المعروض النقدي مع التشديد النقدي لخفض ميزانيته من 4 تريليونات إلى 2.5 تريليون دولار بحلول نهاية 2020.

والأدلة تشير إلى أن تأثير التشديد الكمي يعادل تقريباً 1% زيادة سنوية في معدلات الفائدة، وذلك يعني أن المزيج من زيادة معدل الفائدة وعملية خفض ميزانية الفيدرالي يعادل 2% من زيادة معدل الفائدة من قاعدة منخفضة للغاية.

وبعبارة أخرى فإن الاحتياطي الفيدرالي ينتهج سياسة تشددية أكثر مما يدرك وربما يتسبب في حدوث ركود أو شيء أسوأ في الوقت الذي يدرك فيه خطأه.

والمشكلة أن الفيدرالي لا يحدد سياسته وحده نظراً لأنه البنك المركزي الأكثر تأثيراً في العالم، فالتشديد النقدي سيخلق الحاجة للبنوك المركزية الأخرى في أن تتجه للتشديد أو وقف سياستها التيسيرية حتى تواكب المركزي الأمريكي.

والآن على المستثمرين أن يستعدوا للأزمة المقبلة، والاحتفاظ بالسيولة النقدية (الكاش) وشراء الذهب هي البداية لهذا الاستعداد.