اتسع نطاق الانتعاش الاقتصادي العالمي واكتسب مزيدا من القوة. ويتوقع العدد الجديد من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي أن تواصل الاقتصادات المتقدمة مسيرة التوسع كمجموعة لتتجاوز معدلات نموها الممكن في العامين الحالي والقادم، ثم تبدأ في التراجع. وفي الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، يُتوقع أن ترتفع معدلات النمو ثم تستقر. ولن تدوم معدلات النمو المواتية الحالية بالنسبة لمعظم البلدان. ولذلك ينبغي لصناع السياسات اغتنام الفرصة السانحة لتدعيم النمو وجعله أكثر استدامة وتسليح الحكومات بأدوات أفضل لمواجهة الهبوط الاقتصادي القادم.

ويبدو أن النمو العالمي في سبيله إلى بلوغ معدل 3.9% وهو أعلى بكثير مما يتوقعه خبراء الاقتصاد حول العالم.

ومما يساعد في دفع هذا التسارع في الناتج أن منطقة اليورو واليابان والصين والولايات المتحدة تشهد نموا أسرع، وكلها حققت معدلات تجاوزت التوقعات في العام الماضي، إلى جانب بعض التعافي في البلدان المصدرة للسلع الأولية.

وبخلاف الصين، هناك عدة أسواق صاعدة واقتصادات نامية ستحقق أداء أفضل أيضا هذا العام مقارنة بتوقعاتنا السابقة – وتشمل هذه المجموعة البرازيل والمكسيك وبلدان أوروبا الصاعدة. غير أن المكاسب الكلية لهذه المجموعة من البلدان تتأثر بالتخفيض الحاد في الآفاق المتوقعة لبضعة بلدان تحت طائلة الصراعات الأهلية، أبرزها ليبيا وفنزويلا واليمن. ولا يزال تنامي التجارة والاستثمار عاملين بارزين يدفعان عجلة الانتعاش العالمي.

وسيساعد التوسع المتزامن على التخلص من تركات الأزمة المتبقية عن طريق تسريع وتيرة الخروج من مرحلة السياسات النقدية غير التقليدية في الاقتصادات المتقدمة، وتشجيع الاستثمار، وإبراء أسواق العمل من ندوبها المتبقية.

غير أن الأزمة خلفت آثارا أخرى تبدو أكثر استمرارية، بما في ذلك ارتفاع مستويات الدين على مستوى العالم والتشكك واسع النطاق لدى عموم المواطنين في مدى قدرة صناع السياسات على توليد النمو القوي والاحتوائي اللازم ومدى رغبتهم في إنجاز هذه المهمة. وسيزداد هذا التشكك – ويترك آثارا سياسية سلبية فيما بعد – إذا عجزت السياسة الاقتصادية عن مواكبة تحدي سن الإصلاحات وبناء هوامش الأمان المالية اللازمة. ومن شأن النجاح في هذه الجهود أن يدعم النمو متوسط الأجل، وينشر منافعه على المستويات الأدنى في توزيع الدخل، ويبني الصلابة اللازمة في مواجهة المخاطر القادمة.

وتبدو آفاق النمو المستقبلية مثقلة بالتحديات بالفعل في حالة الاقتصادات المتقدمة وكثير من البلدان المصدرة للسلع الأولية. ففي الاقتصادات المتقدمة، سيكون من الصعب أن يعود المعدل المتوسط لنمو دخل الأسرة إلى وتيرته السابقة على الأزمة بسبب شيخوخة السكان والانخفاض المتوقع في وتيرة التقدم نحو معدلات أعلى من الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج. بل يبدو من الأصعب تحقيق زيادة ملموسة في الدخول المتوسطة والدنيا. وبالإضافة إلى ذلك، ستميل معدلات النمو حتماً إلى مستوياتها الأضعف على المدى الأطول. وسينحسر الدعم الذي تقدمه السياسات في الولايات المتحدة والصين – رغم ضرورته التي تمليها الاختلالات الاقتصادية الكلية في هذين البلدين. أما البلدان التي يمكنها الآن تسريع النمو بتشغيل العمالة ورأس المال غير المستخدمين بالكامل فسوف تبلغ طاقتها الكاملة. ولذلك فإن الحاجة ملحة لأن تتخذ السياسات منظورا استشرافيا – للحد من المخاطر وتعزيز النمو.

ويرى خبراء الاقتصاد أن المخاطر المحيطة بالتنبؤات الموضوعة تتسم بالتوازن على مدار عدة أرباع عام قادمة، حيث يُحتمل أن يرتفع النمو عن الوارد في التنبؤات مما يوازن احتمالية الأحداث غير المواتية. ولكن احتمالية التحولات السلبية في هذه التنبؤات ترتفع مع مرور الوقت.

وقد يتم تشديد السياسة النقدية في وقت أقرب من المتوقع إذا ظهر طلب زائد، وهو احتمال كبير في الولايات المتحدة، حيثما تحولت سياسة المالية العامة إلى الجانب التوسعي المفرط في الوقت الذي يقترب فيه الاقتصاد من مستوى التشغيل الكامل. ومن شأن التشديد المالي أن يؤدي بدوره إلى فرض ضغوط على البلدان والشركات والأسر عالية المديونية، وهو ما يشمل اقتصادات الأسواق الصاعدة.

ومن المخاطر الأخرى تصاعُد دائرة القيود التجارية والإجراءات الانتقامية. فقد أطلقت بالفعل أولى الطلقات في حرب تجارية محتملة. وقد يحتدم الصراع إذا أدت سياسات المالية العامة في الولايات المتحدة إلى رفع عجزها التجاري إلى مستوى أعلى دون إجراء مقابل في أوروبا وآسيا لتخفيض الفوائض. وثمة حاجة لتدعيم النظام التجاري متعدد الأطراف القائم على قواعد مستقرة والذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية وكان دافعا لما تحقق من نمو غير مسبوق في الاقتصاد العالمي. ولكنه الآن يبدو معرضا لخطر التمزق.

ومن الآثار اللاحقة للأزمة المالية وتداعياتها الممتدة ما ظهر مؤخرا من تجدد شعبية السياسات القومية المتطرفة. فقد أدى ضعف احتمالات زيادة دخل الأسر في الاقتصادات المتقدمة، مصحوبا بالاتجاه نحو مزيد من الاستقطاب في الوظائف والدخل، إلى إشعال رد فعل سياسي واسع النطاق يناهض الطرائق السياسية التقليدية. وإذا تهاون صناع السياسات في هذا الصدد ولم يواجهوا تحدي رفع النمو طويل الأجل، يمكن أن تتكثف المخاطر السياسية، وقد تمحو بعض التقدم الذي تحقق حتى الآن في الإصلاحات الاقتصادية والاندماج الاقتصادي.    

وقد وحدت الفصول التحليلية الثلاثة في هذا العدد منآفاق الاقتصاد العالمي تركيزها على المحددات الأساسية للنمو الاقتصادي طويل الأجل.

ويعتبر النمو السكاني، وتوزيع الأعمار، وغيرها من الاتجاهات الهيكلية في مجال التوظيف، عوامل ضرورية لفهم النمو والاستثمار والإنتاجية.

كما أن المشاركة في سوق العمل في الاقتصادات المتقدمة، تمثل شيخوخة السكان، وكذلك تراجع معدلات المشاركة الكلية في سوق العمل في كثير من البلدان، عوامل معاكسة شديدة التأثير على النمو. ومما يثير القلق بوجه خاص انتشار التراجع في مشاركة الشباب والرجال في مقتبل العمر. ويوضح هذا الفصل كيف يمكن لمجموعة من السياسات – كالاستثمار في التعليم والسياسات الضريبية – أن تخفف حدة هذه الآثار. لكن المشاركة ستستمر في الانخفاض حتى في ظل المناهج التي تعتمد أفضل الممارسات.

فتراجع نسبة التوظيف في قطاع الصناعة التحويلية على مستوى العالم، وفي الاقتصادات المتقدمة التي تبلغ فيها هذه النسبة مستويات حادة. وقد أثار هذا التحول الهيكلي المدفوع بالتقدم التكنولوجي وبالعولمة قلقا عاما إزاء احتمالية زيادة عدم المساواة في توزيع الدخل مع اختفاء «الوظائف الجيدة». ومن بواعث القلق أيضا أن البلدان الفقيرة حاليا قد تظل حبيسة مستويات دخل بعيدة عن حدود الدخل العالمية إذا لم يتسن لها المرور قط بمرحلة من التنمية تتسم بكثافة التوظيف في قطاع الصناعة التحويلية. غير أن هناك تقارير تشير إلى إمكانية أن تتيح الخدمات مجالا واسعا لرفع الإنتاجية. وبالتالي، فإن أفضل استجابة من السياسات في هذا السياق ليست رفض قوى السوق ودعم الصناعة التحويلية – فربما يكون ذلك بمثابة مباراة صفرية النتيجة عالمياً – إنما استهداف رفع الإنتاجية في مختلف قطاعات الاقتصاد. ويتطلب هذا الجهد إصلاحات هيكلية، منها تخفيض الحواجز أمام التجارة في الخدمات، إلى جانب زيادة لاستثمارات في الموارد البشرية التي من شأنها تعزيز الارتباط بسوق العمل.