المشورة النفسية هي شكل من أشكال العلاج النفسي الذي يهدف إلى مساعدة الناس على التعامل مع ردود الفعل الجسدية والعاطفية والاجتماعية والروحية والمعرفية.
فهناك أموراً عارضية أو ثابتة قد تحدث في حياة المرء مما يستدعي العلاج عن طريق الغرشاد النفسي أو ما أطلق عليه بالـ «مشورة».
عفقد يتعرض الإنسان إلى تجارب ناتجة متغيرات قاسية في الحياة مثل حوادث الوفاة، التعرض خسارة كبيرة، الطلاق، فقدان الوظيفة أو خسارة مادية.

يعتقد المستشارون النفسيون أن الأشخاص يعبرون عن خسارتهم لماديات أو لفقدان شخص عزيز أو عند التعرض لحدث اجتماعي صادم بطرق فريدة من نوعها تختلف من إنسانٍ لآخر، ويعود هذا الاختلاف للخلفية الأسرية والثقافية وتجارب الحياة والقيم والمعتقدات الشخصية، من الشائع أن نجد أشخاصاً ينعزلون عن العائلة والأصدقاء ويتلكهم الشعور بالعجز بعد الصدمات، البعض الآخر قد يكون غاضباً ويريد أن يفعل شيئاً ما، هناك أشخاص يضحكون بينما يشعر آخرون بالأسف الشديد أو بالذنب. يمكن اعتبار الدموع والبكاء تعبيرات شائعة عن الحزن.

يتوقع المستشارون النفسيون أنهم يمكن يصادفوا مجموعة واسعة من المشاعر والسلوك المرتبط بالحزن، ويؤمن هؤلاء المستشارون أنَّ الشخص المصاب بالحزن والكآبة سيستفيد من دعم الآخرين له بغض النظر عن خلفيته الثقافية والاجتماعية، بالإضافة لذلك في حال غياب هذا الدعم فإنَّ المشورة النفسية تقدم وسيلة لحل صحي، خصوصاً وأنَّ الاضطرابات المتعلقة بنوبات الحزن والكآبات في حال عدم حلها قد تختفي بشكلٍ مؤقت ثم تعاود الظهور مجدداً في وقتٍ لاحق.

تقديم المشورة:

تصبح المشورة النفسية ضرورية عندما تُشكل حالة الحزن أو الاكتئاب إعاقة هامة للشخص لدرجة تعطل نشاطه اليومي العادي، تُسهل هذه المشورة على المصابين التعبير عن مشاعرهم كالحزن، القلق، الغضب، الشعور بالوحدة، الذنب، العزلة أو التشويش. ويتطلب ذلك مواجهة التحديات التي تتبع الخسارة والتعامل مع التغييرات الطارئة في حياتهم، غالباً ما يشعر الناس بعدم الاستقرار والتعب ويعانون من مشاكل في التركيز وقلة نوم وأحلام اليقظة، وقد يتعرضون لتغيرات هامة في الشهية، كل ذلك يجب تناوله أثناء تقديم الاستشارة النفسية.

تسهل المشورة النفسية القدرة على اتخاذ القرار أو رد الفعل الطبيعي في حالات الخسارة، ولحسن الحظ هناك مصادر كثيرة ومتنوعة على الإنترنت تغطي أغلب المواضيع التي تتعلق بتقديم المشورة النفسية في حالات الحزن أو فقدان الأشخاص، مثل دليل موارد استشارات الحزن من مكتب ولاية نيويورك للصحة النفسية.

في بعض الحالات يُطلب استشارة نفسية عندما يعاني المريض من حزن استباقي، مثل حالات القلق المتكرر حول فقدان شخص عزيز لا يكون موته وشيكاً أو مرجحاً، وتحدث هذه الحالات أيضاً عندما يكون لدى أحد أفراد الأسرة مرض عضال.

لخص جوني جوزيفوفسكي في كتابه «العنقاء: النهوض من بين رماد الحزن» الصادر عام 1999 خمس مراحل لإعادة بناء الحياة من جديد بعد الصدمات، تتمثَّل بما يلي:

الصدمة: إنكار، قلق، خوف، ذعر واضطراب.
الفوضى: ارتباك، أفعال خارجة عن السيطرة، أفكار ومشاعر غير عقلانية، شعور باليأس، شعور بالعجز، إضاعة الوقت، صعوبات في النوم والأكل، التركيز بهوس على الأحباب والمقربين.
التكيف: عودة النظام إلى الحياة اليومية بشكل تدريجي مع الاستمرار في الحزن، العودة للاهتمام بالاحتياجات الأساسية كالنظافة الشخصية والتسوق والطهي ودفع الفواتير، تعلم العيش دون عاطفة الحب، قبول المساعدة، التركيز على مساعدة الأطفال، التواصل مع العائلات الحزينة الأخرى للحصول على الدعم المتبادل وتشارك الأحزان، السيطرة على الحزن وتقبل الواقع الجديد ببطء.
التوازن: تحقيق الاستقرار والعودة للحياة الروتينية اليومية بشكل جيد، الاستمتاع بمختلف الأنشطة مع أفراد الأسرة والأوقات الطيبة مع الأصدقاء، القيام بأعمال مثمرة ذات فائدة، اختيار اتجاه جديد إيجابي في الحياة مع الاحتفاظ بتكريم الماضي، تعلم كيفية التعامل مع الناس الذين يسألون أسئلة حول التجربة الماضية.
التحول: إعادة التفكير في أهداف الحياة وأساس الهوية، البحث عن الخسارة المأساوية التي لا معنى لها، السماح للمشاعر السلبية والإيجابية، والقدرة على اختيار المشاعر التي يمكن التركيز عليها، اكتشاف أن هذه التجربة قد أدت لتطوير نسخة أقوى وأفضل من الشخصية، تعلم كيفية التحدث مع الآخرين حول رحلة الشفاء البطولية ودعم الآخرين الذين يحاولون التعامل مع خسائرهم الخاصة.

علاج حالات الحزن:

هناك فرق هام بين الاستشارة النفسية في حالات الحزن وبين علاج حالات الحزن، فالاستشارة تساعد المرضى على تجاوز حالات الحزن غير المعقدة أو غير الشديدة والانتقال إلى الاستقرار النفسي والصحي، في حين يتضمن علاج حالات الحزن والاكتئاب المعقدة والشديدة استخدام الأدوية والعلاجات السريرية الأخرى. تحدث هذه الحالات عندما يستمر رد الفعل الحزين لفترة طويلة أو يتظاهر من خلال بعض الأعراض الجسدية أو تغيرات في السلوك، أو عندما تكون الاستجابة خارج نطاق الحالة الطبيعية الثقافية والنفسية.

يعتبر علاج حالات الحزن نوعاً من العلاج النفسي الذي يحتفظ به لعلاج حالات الحزن الشديدة والمعقدة، والتي تحدث غالباً بسبب فقدان شخص قريب عن طريق الانفصال أو الوفاة، أو بسبب كارثة اجتماعية، ويتمثل هدف علاج الحزن هنا في تحديد وحل المشكلات النفسية والعاطفية التي ظهرت كنتيجة لذلك، وقد يكون علاج حالات الحزن متاحاً كعلاج فردي أو جماعي حتى، ومن الأمثلة الهامة على الحالات التي يطبق فيها العلاج على نطاقٍ واسع هو مع آباء مرضى السرطان.

الاستشارة النفسية في حالات الصدمة
لا يمكن توقع تأثير الصدمات الشديدة، لأنَّ كل شخص لديه رد فعل خاص وتجارب عاطفية فريدة من نوعها وطرق للتكيف والتلاؤم مع حالات الصدمة والحزن، وعندما تكون الكوارث عامة وتصيب المجتمع بالكامل يصبح رد الفعل أكبر وأكثر عنفاً.

مشاعر الحزن مثل البكاء والغضب والصدمة والشعور بالذنب والعجز ليست شائعة في حالات الصدمة، وربما يقتصر حدوثها على الأطفال والأشخاص الذين يكون لديهم خبرة قليلة في التعامل مع التأثيرات النفسية القوية، وتكون هذه المشاعر كلها جزءاً من عملية التكيف الطبيعية التي تعتمد على مرونة الشخص والأسرة والمجتمع.

من الطبيعي أن يساهم الوقت والراحة والدعم الذي يتلقاه المرضى المصدومون في تسريع الشفاء وتجاوز الحالة، والقاعدة العامة هي القدرة على التكيف وتجاوز الأزمة، إذ لا يستمر غالبية الأشخاص الذين مروا بحالات الفقد والصدمة في تطوير اضطرابات ما بعد الصدمة، ومع ذلك قد تستمر هذه الاضطرابات عند مجموعة من الأشخاص.

أهداف المشورة النفسية:

هدف المشورة النفسية هو تنمية قدرات وإمكانيات الفرد النفسية والروحية والإنسانية حتى يستطيع معرفة أهدافه في الحياة ويتمكن من تحقيقها بطريقة سليمة سوية ويستطيع عمل توازن سليم في علاقاته الاجتماعية وبذلك يحقق الرضا والسعادة في الحياة .

وذلك من خلال شعار المشورة النفسية :
المعرفة … بذل الجهد … تحمل المسئولية

أولاً : المعرفة

تشمل المعرفة الروحية والنفسية والثقافية والفكرية حيث أنه لا يمكن للفرد أن يتغير للأفضل بدون المعرفة السليمة لضعفاته وإمكانياته وقدراته وأيضاً المعرفة بذاته الإنسانية وكيفية تكوينها وكيف يتمكن من التعديل . كذلك المعرفة والوعي بما تم تعلمه في الصغر من أفكار ومشاعر غرزت من أسلوب الوالدين والقائمين على التربية .
ومن العبارات التي وجهت له في الصغر والظروف المادية والنفسية والاجتماعية التي عاشها في طفولته .

حيث أن كل هذه الأمور التي تعرض لها الفرد منذ الصغر بالإضافة لبعض الاستعدادات الوراثية هي التي قامت بتشكيل ذاته الإنسانية في الوقت الحاضر.
فمن أهداف المشورة النفسية التوعية بكل هذه الأمور من خلال المقالات والاجتماعات والكتب النفسية .

ثانياً : بذل الجهد

من له معرفة وهمة فقد هزم الشر .
إن توقف الفرد عند حد المعرفة وعدم المحاولة من خلال هذه المعرفة أن يبذل الجهد ويدرب نفسه على الأساليب والسلوكيات السليمة ويحاول التخلص من أساليبه الخاطئة التي تعود عليها فلن يستطيع الوصول إلى التعديل الذي ينشده .
ويبدأ التدريب في الخيال أولاً بأن يتخيل الفرد الموقف الذي أساء التصرف فيه ويقوم بتخيل تصرف أفضل في مثل هذا الموقف ويكرره على نفسه في الخيال مرات عديدة.
فعليك أن تتخيل الشيء في ذهنك قبل أن تتأهب لأدائه فإذا اتضحت الصورة تماماً في مخيلتك فإن ديناميكية النجاح بداخلك تقوم بإنجاز العمل بصورة أروع مما لو قمت بأدائه معتمداً على جهودك أو ما لديك من إرادة .

وكما ذكرنا أنه من خلال التعامل يدرك الفرد بعض الأخطاء الأخرى وبتكرار التخيل يعدلها حتى يتم التخلص من هذه الأخطاء وتدريجياً يستطيع الفرد التخلص من الصفات غير السليمة وتنمو السلوكيات السوية .

ثالثاً : تحمل المسئولية

يجب على كل فرد أن يفكر في نوع التغير الذي يحتاجه للوصول إلى الشخصية السوية ويتوقف عن لوم الآخرين بأنهم السبب في اضطرابه وانفعاله وغضبه … ومن هنا يجب عليه أن يحاول صياغة عبارة تعبر عن مشاعره وإحساسه ثم يضيف إليها عبارة «وأنا أتحمل مسئوليتي».

فمثلاً … أنا كثير الانفعال وأنا أتحمل مسئولية هذا الانفعال

أنا كثير الخصام مع الآخرين وأنا أتحمل الخصام .

أنا متقلب في انفعالات وأنا أتحمل مسئولية هذا التقلب .

أنا أشعر بالوحدة وبالعزلة وأنا أتحمل مسئولية هذه العزلة .

أنا كثير المشاكل والخلافات مع الآخرين وأنا أتحمل مسئولية هذه الخلافات .

وهكذا يعترف الإنسان ويقبل المشاعر التي بداخله بدلاً من أن يعكسها على الآخرين ويعتقد أنهم السبب في انفعاله واضطرابه ، وكلما اعترف الفرد بمسئولياته عن مشاكله الحالية سوف ينظر بداخله ليجد البدائل لسلوكه ليحصل على الشخصية السوية .

وإذا تحمل مسئولية سلوكه ربما يدرك أنه لا يحصل على ما يريده لأن سلوكه الحالي مضطر ويمثل نوعاً من تدمير الذات ومن خلال هذه المعرفة تكون احتمالات حدوث التغير أفضل بكثير .

ولكن أحياناً تكمن المشكلة في تخوف الإنسان وعدم رغبته في تحمل مسئولية هذا التغير بسبب الخوف من لوم الآخرين إذا أخطاء أو الفشل لأسلوبه الجديد فيفضل البقاء على الأسلوب الذي اعتاده منذ الصغر فإذا حدث خطأ منه فكأن لسان حاله يقول « أنا غير مسئولي عما يحدث فهذه طبيعتي التي تربيت عليها ، أو أنا مثل أبي أو أمي في الانفعال والغضب « وهذا حتى يتهرب من المسئولية تجاه نفسه .

إنما دور الإنسان أن يعرف الخطأ في سلوكه ثم يعدل هذا الخطأ بأسلوب جديد ويتحمل مسئولية هذا التعديل ومع حدوث المواقف وتواليها تظهر أخطاء أخرى فيقوم بتعديلها ويتحمل المسئولية الكاملة تجاه كل تعديل يقوم به وبالتجربة والخطأ والمواجهة والتعلم يستطيع الفرد التغير للأفضل .

وهنا تحضرني عبارة « تولستوي « لكي تعيش بنقاء ضمير يجب أن تتأثر ، أن تصارع ، أن تقع في خطأ وأن تبدأ في أمر وتتركه ( إذا اكتشفت الخطأ فيه ) ثم تبدأ من جديد وأن تكافح أبداً وتعاني الحرمان « ولا بد أن نتذكر دائماً أن الوصول للشخصية السوية رحلة قد تمتد بنا العمر كله ولكن يجب أن نبدأ الآن للمسير خطوات ثابتة نحو التغير للأفضل .

المشورة مع الجنس الآخر:

الارشاد النفسي كمهنة لا حرج فيه، ما دام من يمارسها يقدم النصح والمشورة بصورة علمية صحيحة وليست منافية للآداب، ولكن ينصح علماء النفس أن المشورة لا يجب أن تكون بين رجل وامرأة، حيث إن اختلاف الجنس قد يذهب الذهن إلى ما هو ابعد من كلمة «مشورة».
فالرجل الذي على خلاف مع زوجته إذا ذهب إلى مرشدة نفسية «مشيرة» قد يضعف ويفكر فيها جنسياً، وكذلك المرشدة عندما تسمع مشكلته قد تتعاطف معه وسرعان ما ينقلب التعطف إلى علاقة جنسية.
كذلك المرأة التي في خلاف مع زوجها عندما تذهب إلى مرشد نفسي وتشكو له زوجها قد يستغل ضعفها في محاولة للدخول معها في علاقة جنسية حتى لو كان عبر التليفون أو الإنترنت.
وقد تضعف معه المرأة او لا تضعف. ولكن هذا غير مقبول بالمرة.

لذلك ينصح ان تكون المشورة بين رجل ورجل او بين امرأة وامراة.
فغن اختلاف الجنس قد يؤدي بنسبة 90 في المئة إلى جنس.